تعليق على حكم القضاء في قضية تحكيم الخرافي والحكومة الليبية:
في محامٍ ومحكم (الورفلي محامون ومستشارون)
مقدمــــة:
1-في 3 جوان/حزيران 2020، قضت محكمة استئناف القاهرة للمرة الثالثة في طلب إبطال حكم التحكيم الصادر في القاهرة في مقر (لكن ليس في ظلّ) مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، من قبل هيئة تحكيم حرّ برئاسة الدكتور عبد الحميد الأحدب في 22 مارس 2013 (تم نشر حكم التحكيم على الرابطhttps://www.italaw.com/cases/2185).) طبق أحكام الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية. وقد قضت هيئة التحكيم لفائدة شركة الخرافي (مستثمر كويتي في مجال السياحة) بمبلغ قدره 900 مليون دولار أمريكي تعويضاً عمّا تدعيه من خسائر مادية و30 مليون دولار تعويضا عن ضررها المعنوي، مع 5ملايين دولار بعنوان المصاريف التي أنفقتها على المشروع و1.4 ملايين دولار بعنوان مصاريف تحكيم والفوائض. وحملت هيئة التحكيم على الجهات العامة الليبية (المدعى عليها في التحكيم) تكاليف التحكيم وأتعاب المحاماة.
الفرع الأول: حكم الابطال بني على أن التعويض المحكوم به تحكيميا مجحف بشكل فادح وعشوائي:
1- يفتح حكم محكمة استئناف القاهرة الصادر في 3 جوان/حزيران 2020 في قضية "الخرافي ضد ليبيا" من جديد نافذة ظلت موصدة بإحكام على مدى عقود، مع أن إحكام غلقها لم يمنع بعض النسائم الخفيفة من أن تهب من ثناياها الصغيرة والخفية. فالفقهاء يتفقون على أن أخطر ما يتهدد منظومة التحكيم هو أن يمد القاضي يده إلى اجتهاد المحكم ويبسط رقابته عليه، فيصبح قضاء الابطال والتنفيذ درجة ثانية من درجات التقاضي، فيصبح التحكيم من أصله بلا جدوى، ويسقط مبرر كل المال والوقت المبذول وتنتفي الجدوى من طول البحث والتنقيب عن أفضل الكفاءات المتخصصة لتعيينها في عضوية هيئة التحكيم طالما أن الكلة الأخيرة ستكون في النهاية للقاضي في مرحلة الطعن أو التنفيذ. أما القضاة فظلوا على مدى عقود يمارسون سياسة "ضبط النفس" ويغالبون أنفسهم الأمّارة بعدم ترك أيٍّ كان يتحكم في حقوق الناس بلا رقيب، خوفا على حقوق الناس من الهدر بين أياد فيها الكفاءات العالية والقامات المديدة والأسماء الرنانة، ولكن دخلها أيضا الغث والسمين وتسلل إليها الأدعياء والدجالون والمشعوذون في غفلة من الدول التي ظلت حتى الآن تتحاشى التدخل في اختيار الناس لمحكميهم وفي كيفية تأسيس مراكز التحكيم.
2- فقد جاء حكم محكمة استئناف القاهرة ليصدع من جديد بما كانت محكمة التعقيب التونسية قالته منذ أربعين سنة بالتمام والكمال على لسان القاضي المرحوم محمد الصالح رشاد: "الحق يعلو ولا يعلى عليه، لكن للتذكير فإن هذا الحكم على الرغم من سحر العبارة التي يكلل بها مبدؤه الأساسي، ومن الإغراء الذي تمارسه فكرة الحق المطلق والعدل النقيّ على العقول، كان من أكثر الأحكام التي لقيت النقد والانتقاد في تونس، إذ كاد يجمع الفقهاء على أنه يفتح باب الفوضى القانونية الكاملة ويمكنه لوحده أن يهدم منظومة قانونية كاملة بما فيها من تشريعات وقواعد إجرائية موضوعية، طالما أن نتيجته هي أن القاضي يمكنه أن يتحلّل من القيود والضوابط والمساطر الإجرائية وأن يحيي الحقوق الموات، وأن يهتك أيضا سجف القواعد التشريعية الموضوعية كلما ظهر له أنها مخالفة للعدل مطلقا أو أنها تؤدي إلى نتيجة غير عادلة في وضعية بذاتها.
3- ولا شك أن حكم محكمة استئناف القاهرة سيلقى ذات العصافة من النقد، والتي بدأت بسرعة كبيرة منذ أن صدر في 03 جوان 2020، بفضل سهولة النشر في ظل تطور تكنولوجيات الاتصال وأيضا في ظل إقبال الناس على النشر الالكتروني بسبب انتشار وباء "كوفيد-19".
4- غير أن المتأمل في المسألة بكثير من التروي، وبعد مراجعة بعض السوابق القضائية القليلة والمتناثرة يحق له أن يتساءل: هل سيزيد هذا الحكم في توسيع المنفذ الذي ينفذ منه القاضي إلى مراقبة اجتهاد المحكم مع توضيح مجال هذه الرقابة، أم أنه سيصبح المثال السيء لما يجب على القاضي أن يتجنبه فيكون ضربة جديدة لكل من يفكر في إحياء الرقابة القضائية على موضوع النزاع ولو بشكل محدود؟
5- لقد بُني الحكم الجديد الصادر عن محكمة استئناف القاهرة على أن تقدير التعويض المستحق للمستثمر جاء مشطّا شططا بالغا وظاهرا "يقفز إلى العين" qui saute aux yeux، بحيث لا يتناسب التعويض مع الضرر كليا:
-في مجال المسؤولية المدنية، فالحكم بالتعويض يعد أمرا مرهونا لزوما بوقوع الضرر، وبحيث يتم تحديد مقدار التعويض بقدر يتناسب مع الضرر، أي متكافئا عقلا مع الضرر ومناسبا لجبره، ويقاس الضرر بمعايير أو أسس موضوعية تأخذ في الاعتبار الظروف الواقعية المُلابسة. يمثل مبدأ التكافؤ أو التناسب في تقدير التعويض قاعدة ثابتة من قواعد النظام العام المشتركة التي لا يجوز التفريط فيها لارتباطها الوثيق بمصالح وحقوق الأفراد واحترام توقعاتهم المشروعة، فيحق للقضاء أن يستظهر –دون بحث موضوعي أو تعمق- مدى احترام حكم التحكيم لمبدأ التناسب هذا، بحيث يمكن إبطال الحكم، أو رفض تنفيذه، إذا كان متضمنا - بوضوح وبشكل ملموس بارز- تعويضا مجحفا، ظالما ظلما شديدا، يتجاوز الضرر بشكل فادح، غير ملائم وغير قابل للتعليل بالمرة. وعموما، فالتعويض -أيا كان وفي إطار توازن المصالح على اختلافها- يجب أن لا يتعارض في مداه مع مقتضيات العدالة وروح الأنصاف، وإلا تمخض إلى فوضى وعدوان، وبالتالي فإنه لا يوجد تعويض بلا قيد أو سقف أو حاجز، وإلا صار لغوا عبثيا، فعلا تحكميا تسلطيا، منهيّا عنه في كل قانون".
6- واستند الحكم أيضا إلى مبادئ الفطرة والعدل وحقوق الانسان:
-عند الكلام في القانون في مُجمله، فهناك مبادئ عليا حاكمة، لا يمكن التلاعب في جوهرها أو معناها لأنها تسمو في مرتبتها على كل قانون ولو كان مكتوبا. تأكيدا وتوطيدا لحقوق الإنسان ولقيمة العدل-الذي تزهو به الأمم- وأطره ومفاهيمه، فإن المبدأ الهادف إلى درء الظلم الجسيم والفاضحالذي يرفضه العقل القويم –دفع المضار- يعتبر أصلا ثابتا ساريا في كل زمن وعبر كافة الدول، فمثل هذا الظلم الشديد يجب أن يذهب، ودرءه ليس مجرد تكليف ديني أو أخلاقي سلوكي وإنما يعد، فوق ذلك، التزاما قانونيا من المتعين مراعاة توجيهاته وتوكيد معناه".
7- ورجعت المحكمة إلى مبدأ أخذت به بعض المحاكم في أحكام قليلة مثل محكمة التعقيب التونسية وهو مبدأ أن "الحق يعلو ولا يعلى عليه"، وأن "العدل يحظى بأسبقية وسمو على غيره".
8- ويبدو من تحليل المحكمة أنها استندت للجزم بعدم معقولية التعويض وصبغته التحكمية والعشوائية إلى الطلبات التي تقدمت بها المدعية في أول مراحل النزاع:
9- بالعودة إلى حكم التحكيم، فالأمر البارز فيه –يقفز إلى العين- يتمثل في ضخامة مبالغ التعويض المحكوم بها، نحو مليار دولار أمريكي. بالنظر إلى الصورة الكلية أو الإطار العام للنزاع التحكيمي ومظاهره وعناصره الواقعية، فإنه يمكن وصف هذا التعويض بكونه تعويضا عاصفا غير مبرر بالمرة، مخالف لطبيعة الأشياء، ما كان في الوسع توقعه عقلا وقانونا، فقد انبنى التعويض على معطيات نظرية وتصورات مجردة، بلا واقع يسنده.بداية تكتفي المحكمة في هذه الفقرة بأن تشير إلى ما سجله حكم التحكيم نفسه، فالكتاب المؤرخ 23/8/2012 المعتبر كصحيفة دعوى التحكيم أو مفتاحها والصادر عن المحامي الوكيل عن شركة الخرافي المحتكمة (الأستاذ/...)، فقد ذكر فيه أنه سبق لشركته أن عرضت على هيئة التمليك والاستثمار الليبية عدة خيارات، من بينها: " ..أن تدفع -تلك الهيئة- للشركة خمسة ملايين دولار أمريكي وهو ما يمثل فقط جزء من خسائرها وتنتهي العلاقة بين الطرفين"، هذا هو مقدار التعويض الذي ارتضت به المحتكمة بداية، مبلغ خمسة ملايين دولار، أو ما يزيد عنه قليلا. ثم أخذ التعويض يمتد ويتصاعد في تلاحق دراماتيكي، فخلال دعوى التحكيم عادت الشركة ورفعت مقداره أكثر من مرة، بداية من 55 مليون دولار لتصل إلى حوالي مليار و144 مليون دولار ولتستقر في طلباتها الختامية إلى طلب ما يزيد على مليارين و55 مليون دولار تعويضا لها عن إنهاء المشروع المعطوب. هذا السلوك الصادر عن المحتكمة - بإشاراته الموحية التي تستدعى الانتباه بشدة- يعد فعلا يشبه السخف بل هو السخف ذاته.ومع ذلك، فقد ساير حكم التحكيم سخف المحتكمة وانقاد إليه وتعامل معه بجدية –وبمنطق عاجز وحجج واهية سقيمة- فصار لذلك حكما سخيفا عبثيا، يتسم بالقسوة المُفرطة، يؤذي العقل والقانون ومدلول العدالة والإنصاف، جميعا".
10- وتبرز الصبغة العشوائية في نظر المحكمة من تحليل هيئة التحكيم وتعليلها لكيفية التوصل إلى تحديد قيمة التعويض، حيث لم تقدم أي مسار منطقي أفضى إلى هذه القيمة بل أكدت أنها رأفت بالدولة الليبية بعد أن استعمت إلى مرافعات محاميها، بعد أن كانت التعويضات المطلوبة والمحددة بواسطة خبراء تتجاوز مليارين من الدولارات:
11- والأمر الذي يستوقف النظر بشكل لافت، أن هيئة التحكيم ذكرت في سياق حكمها –بحماس وبغير تردد ولا حرج– أن قناعتها الشخصية وسلطتها التقديرية تذهب بها (رأي الأغلبية) إلى أن قيمة مُعدل الخسارة التي لحقت بالشركة المحتكمة من جراء " ..الفرص الضائعة والأكيدة والمُحققة" -بسبب الإطاحة بالمشروع الموعود- هو مبلغ يجاوز المليارين من الدولارات، وهو أكثر مما طالبت به المحتكمة. هذا هو جماع عقيدتها، ولكنها (الأغلبية) لم تتردد في استعمال الرأفة، وذلك بعد استماعها إلى مرافعة المحامي القدير (الأستاذ الدكتور/ ...) الحاضر عن الطرف الليبي "... الدولة الفتية التي عادت بقوة بعد الثورة"، هكذا تحدث الحكم. مع الرحمة التي هي فوق العدل، استعملت هيئة التحكيم سلطتها التقديرية فنزلت بالتعويض عن عنصر الكسب الفائت وحده ليصير فقط تسعمائة مليون دولار (وفوائده).هذا هو إذن لُب وصميم الحكم المطعون فيه."
12- وحسابيا، يكون المبلغ المحكوم به بعنوان جبر للضررين المادي والمعنوي (930 مليون دولار) معادلا لـ18ضعفا لأولى طلبات الشركة المدعية في طلبها الأول الذي اعتبرته المحكمة بمثابة عريضة دعوى أو طلب تحكيم (55 مليون دولار).
وشددت المحكمة على أن مبنى حكمها هو ما يظهر للعيان من صبغة اعتباطية لتقدير التعويض:
في ظهور فاضح، خالف حكم التحكيم النظر القانوني المتقدم، فقام بتقدير التعويض عن الكسب الفائت -الذي يمثل العمود الفقري من جسم الحكم وعصبه- لا بحسبانه تعويضا احتماليا عن ضياع الأمل في فرصة الكسب وإنما باعتباره تعويضا أكيدا عن ضرر فعلي كان سيقع حتما في المستقبل. هذه المخالفة الخطيرة للقانون، فهمه وتأويله وتطبيقه، قادت الحكم وجرته إلى مزالق لا قاع لها، إذ أدت به إلى الوقوع في شطط -يشبه الفوضى-لا يمكن قبوله، بحيث تمتد إليه بالضرورة -كملاذ أخير- الرقابة القضائية، رقابة البطلان. فالمبلغ المحكوم به للمحتكمة عن الكسب الفائت، على ضوء ما أحاط النزاع من ظروف مُلابسة، يعد بكل مقياس قانوني عدلي تعويضا ظالما ظلما صارخا مبالغا فيه على نحو مفرط، اصطناعي، غير منضبط أو متوازن بالمرّة.فعلاقة العلة بالمعلول التي هي دعامة كل تعويض، كانت منتفية، فالضرر المحكوم بالتعويض من أجله كان متوهما، منتحلا، مجردا بغير واقع، فانحل عدوانا على الحقوق المتنازع بخصوصها حول المشروع المعطوب. بحسب الأصول القانونية المحسومة في النطاق الدولي وبشكل عام، فإنه يجوز إبطال حكم التحكيم، أو عدم تنفيذه عند الاقتضاء، وذلك إذا كان معيبا بعيب الغش والاحتيال أو في الحالات التي يثبت فيها مخالفة هيئة التحكيم لأبسط مفهوم من مفاهيم العدالة المستقرة، المعايير الدنيا للإنصاف، موضوعية كانت أم إجرائية".
13- وربط الحكم كما هو واضح من الفقرة (15) المذكورة بين هذا الشطط المجحف والصادم في تقدير التعويض ومفهوم الغش والاحتيال لكنها لم تجزم بوقوع غش أو احتيال في القضية الحالية وإنما وضعت الغش والاحتيال في نفس مرتبة مخالفة أبسط مفاهيم العدالة المستقرة والمعايير الدنيا للإنصاف. والواضح أن المحكمة لا تقصد أن الظلم الفادح يعتبر غشا، لكنها تعتبر أن آثاره لا يمكن أن تكون مغايرة لآثار الغش، وهو تحليل مستمد من المبادئ العامة للمسؤولية المدنية حيث يعتبر الخطأ الفاحش الذي لا يمكن اغتفاره faute inexcusable في نفس مرتبة الخطأ العمدي والغش.
14- وجاء الحكم بعبارة يكاد يستحيل ترجمتها، حين قال إن حكم التحكيم اتسم بـ
"غُلو وإفراط شديدين، غلوّ يأباه العقل وإفراط لا يقره قانون، بما هدد كيانه، فالعدل فيه كان مفقودا على نحو صارخ، فصار لذلك مسكونا بالبطلان".
15- وبنت على ذلك أنه:
"لا يجوز أن يتمتع الحكم الذي أتى بتعويض كهذا بحماية ما".
16- ويستند الحكم أيضا إلى مفهوم "العقوبة الخاصة"، معتبرا أن ما سمي في حكم التحكيم تعويضا إنما هو عقوبة سلطتها هيئة التحكيم على ليبيا، بل هي حسب راي قاضي الابطال "عقوبة قاسية"، وهو مفهوم من مفاهيم القانون الدولي الانساني والقانون الجزائي عموما يرتبط بمفاهيم الغياب الكامل للمشروعية:
أذعن الحكم إلى نتائج عشوائية غير مُعللة قانونا وعقلا، تخرج بالتأكيد عن المفهوم الصحيح لمعنى الضرر أو الربح الناشئ عن فوات الفرصة، هدم الحكم بغير تحفظ أو احتياط معنى فكرة التعويض، مقصده وغايته، فتمخض عقابا قاسيا، مخالفا لطبيعة الأشياء. في هذه الحال يمكن وصف الحكم بالتعويض عن الكسب الفائت بحسبانه مظهرا ماديا لا غير، سخفا لا معنى له، ليس له من الدّب غير جلده، إن صح القول".
17- وفي حكم محكمة القاهرة الصادر في 3 جوان/حزيران 2020 أيضا منحى جديد في تعريف "المحاكمة العادلة" يستند إلى معيار مضمون الحكم، لا إلى معيار "ظروف المحاكمة"، بخلاف ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية والدساتير الحديثة في ما يتعلق بالحق في محاكمة عادلة، حيث ترتبط عدالة المحاكمة بظروفها وما يتاح لكل طرف من حقوق إجرائية في إطارها. أما في هذا الحكم فقد كان رأي المحكمة هو أن هيئة التحكيم
"مسخت قواعد قانونية جوهرية كانت مؤثرة في حكمها، ولم تلتزم بحدود القيود والضمانات الحيوية التي تقتضيها تبعات ومستلزمات المهمة التحكيمية الموكولة إليها، تلك التي لا يستقيم بدونها الحق في المُحاكمة المُنصفة، ولا يكتمل ويصان إلا باحترامها".
18- وبذلك التقى تحليلها للمسألة في جانب ما برأي المحاكم الأمريكية التي أخذت بمفهوم "الخرق الفادح للقانون" manifest disregard of the lawكأحد أسباب إبطال أحكام التحكيم وذلك بناء على أن هذا الخرق الفادح الصادم للذوق القانوني فيه في الحقيقة ظلمٌ شديد يبرر إسقاط الحكم. ومعلوم أن أغلب الأنظمة القانونية لم تأخذ بـ"الخرق الفادح للقانون" كأحد مبررات إبطال أحكام التحكيم.
19- وبالمقابل، توجد في حكم محكمة القاهرة إشارات إلى مفهوم النظام العام، وهو مفهوم يمكن أن يتم الرجوع فيه إلى مكونات المنظومة القانونية الليبية ومنها خصوصا الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب الذي ينص في مادته 14 على صون حق الملكية وحرمته. ومن الواضح أن الحكم على شخص بتعويض مجحف بشكل صادم ومفرغ إنما نتيجته هي نزع الملكية ومصادرتها لفائدة المحكوم له، وهي مفاهيم توجد شذرات منها في هذا الحكم. فيكون بذلك الرجوع إلى النظام العام وخرقه كمبرر للإبطال أمرا ممكنا.
20- كما نشير إلى أن قانون التحكيم المصري لسنة 1994 (المادة 53) يجيز إبطال حكم التحكيم إذا استبعد القانون الواجب التطبيق على النزاع. وقد اعتبر بعض المعلقين أن حكم التحكيم الذي يقضي بتعويض مشطّ بالغ الشطط لا يمكنه أن يكون تطبيقا للقانون الواجب التطبيق على أصل النزاع أي القانون الليبي في قضية الحال، فيكون بذلك قد استبعد القانون الواجب التطبيق فوجب إبطاله. وهذه الحجة اقترب منها حكم محكمة القاهرة لكنه لم يعتمدها، وقد تضطر الأطراف المحكوم لها في هذه الجولة إلى استعمالها في الجولات المقبلة للدفاع عن حكم محكمة القاهرة، الذي بدأ يسيل كثيرا من الحبر كما هو متوقع، مثلما أثار حكم التحكيم نفسه كثيرا من الحبر. لكن لئن جاءت أغلب التعاليق المنشورة عند صدور حكم التحكيم مؤدية له، تبدو أغلب التعاليق على حكم محكمة القاهرة منتقدة لحكم التحكيم ولو أن كثيرا منها سيكون قاسيا أيضا في نقد حكم محكمة القاهرة بنفس الدرجة بناء على مفهوم الرقابة الشكلية على حكم التحكيم الذي شهد بهذا الحكم شرخا كبيرا، سيتوسع دون شك في صورة تحوله إلى تيار فكريّ في قانون التحكيم. ومع أن بذور هذا التيار موجودة في بعض الأحكام الصادرة هنا وهناك قبل سنة 2000 فإن التيار المذكور ظل ضعيفا وزاد وهنا على مدى العقود الستة الأخيرة، وربما يجد زخما كبيرا بالنظر إلى أن الفارق بين التعويض المحكوم به في قضية "الخرافي" ومبلغ التعويض الذي طلبته المدعية في بداية الاجراءات كتعويض جزافي إجمالي (أكثر من 200 مرة بإضافة الفوائد المتراكمة حتى الآن) لم يكن أبدا متوقعا من قبل الآباء المؤسسين لقواعد التحكيم العصري ومنظومة الرقابة القضائية على أحكام التحكيم.
الفرع الثاني: مسائل قانونية أخرى:
(أ) نطاق رقابة القضاء المصري على أحكام التحكيم الصادرة في ظل اتفاقية الاستثمار العربية:
-جدير بالذكر أن هذه القضية سبق أن أثارت العديد من المسائل القانونية الأخرى، لا سيما تلك المتعلقة بتحديد الجهة القضائية التي لها الاختصاص للبت في إبطال حكم التحكيم. وفي قرار سابق، رأت محكمة استئناف القاهرة أنها لا تملك الاختصاص للبت في هذا الطلب بموجب الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في البلدان العربية. وقد تم نقض هذا القرار من قبل محكمة النقض المصرية التي أرجعت القضية إلى محكمة استئناف القاهرة للمرة الثانية، فرأت محكمة الاستئناف بالقاهرة في حكمها الصادر في 3 جوان/حزيران 2020 (موضوع هذا التعليق) أنّها مختصّة وأن حكم التحكيم مستوجب الابطال. وفي الأثناء، حاولت الأطراف الليبية المحكوم عليها تحكيميا الحصول على حكم بالإبطال من محكمة الاستثمار العربية، المحدثة بموجب نفس الاتفاقية الموحدة، والتي قضت بأنها غير مختصة، وجاء حكمها غير قابل للمراجعة فانسدت سبيل الطعن أمام محكمة الاستثمار العربية.
(ب)دور الغير المموّل للإجراءات:
-تداخلت في القضية شركة تدعى "شركة س.أر. للتمويل". وقد اعتبرتها المحكمة طرفا "دخيلا" بالمعنى اللغوي أي طرفا لا دخل له في القضية وأخرجتها من النزاع:
بقي على المحكمة التقرير بأن شركة س.أر. للتمويل FINANCIERE CER)) لم تكن طرفا في دعوى التحكيم المطعون في حكمها، لذلك تقضي المحكمة بعدم قبول تدخلها في دعوى البطلان الماثلة، وتلزمها بمصاريف وأتعاب طلب التدخل. وتضيف المحكمة أن هذه الفقرة تُكمل منطوق الحكم وتُكون معه وحدة واحدة، بحيث لا ينفصلان".
-وجدير بالملاحظة أن هذه الشركة لم تظهر في الخصومة إلا في هذا الطور، وليس هناك ما يشير إلى أنه كان لها دور ما في مرحلة التحكيم، فهي ليست من قبيل الغير الممول للتحكيم third party funderبل يبدو أنها شركة استخلاص ديون أو شركة تمويل قامت بشراء الدين المتولد عن الحكم التحكيمي. وجاء الحكم مقتضبا في خصوص موقعها في الإجراءات، مع أنه من الثابت في أغلب القوانين أن شركات استخلاص الديون متى قامت بشراء الدين المحكوم به تحل محل الطرف الأصلي المحكوم له وتؤول إليها حقوقه الإجرائية فيجوز له أن يصبح هو الخصم كما يجوز أن يصبح طرفا منضمّا بموجب التداخل الطوعي. ويبدو أن حجة المحكمة لرفض تداخلها هو مبدأ استقرار الخصومة من حيث الأشخاص اذ اعتبرت أن من لم يكن طرفا في خصومة الابطال منذ بدايتها لا يمكنه أن يدخل فيها لاحقا. غير أن هذا التحليل غير سليم بدوره. فماذا لو أن الشركة المدعية انحلت أو اندمجت مع شركة أخرى أو انقسمت أو غيرت تسميتها أو شكلها القانوني. فهل يمنعها ذلك من أن تواصل الدفاع عن حقوقها تحت الهوية القانونية الجديدة؟
(ج)دور الخبير في خصومة التحكيم وقيمة رأيه:
-استند الحكم إلى حجة إضافية تبدو لنا غير ضرورية وغير صحيحة وهي أنه لا يجوز للخبير أن يفتي في المسائل القانونية، وذلك باعتبار أن خبراء المدعية قدموا آراءهم في جوانب قانونية. والحقيقة أنه من المستقر اليوم أنه (أ) يجوز للمحاكم ولهيئات التحكيم أن تستعين بآراء خبراء في مسائل قانونية صرفة، و(ب) أن الخبير المحاسب على وجه الخصوص له معرفة في مسائل ثلاث على الأقل وهي المحاسبة والقانون والجباية، وان آراءه التي يقدمها فيها بالضرورة جانب قانوني، كما أن أغلب المسائل الفنية التي يتطارحها الخبراء فيها جانب قانوني. وإنما القاعدة الجوهرية هي أن رأي الخبير في أي مسألة كان لا يقيد المحكمة، وهذه مسألة فيها كثير من النظر خصوصا في العالم العربي حيث يلاحظ المتمعن في كثير من البلدان العربية وجود نزوع لدى جانب من القضاة إلى التواكل على الخبراء والأخذ باستنتاجاتهم دون تمحيص أو تمعّن بما يؤول في الحقيقة إلى تقويض الوظيفة القضائية إلى الخبير. وهذا الأمر لا يمكن القول إنه متوفر في قضية الخرافي ضد ليبيا لأن هيئة التحكيم وعلى الرغم من عدم تقديم تقارير خبرة مضادة من قبل الأطراف المدعى عليها لم تأخذ بكلام الخبراء على عواهنه، لكنها لم تقدم تحاليل علمية لكيفية تعديل تقديراتهم، إنما جاءت بحجة "عاطفية" تؤكد الصبغة العشوائية لتقدير التعويض ولا تدحضها، وهي أن أغلبية المحكمين عطفت على الدولة الليبية الفتية الناهضة بعد الثورة، وهو تحليلٌ غير مقبول قانونا، لأن القاعدة أن الضّرر يزال وأن العبرة بما لحق المضرور من ضيم، وأن سلوك المدعى عليه يقاس بزمن الوقائع المفضية إلى النزاع، لا بما لحق المتسبب في الضرر من صعوبات ونوائب الزمان بعد ذلك. فإن ثبت لدى هيئة التحكيم أن قيمة الضرر الحقيقية هي 2.2 مليار دولار (متوسط تقديرات الخبراء) أو حتى 1.5 مليار دولار (اقل تقدير قدمه أحد الخبراء) فقد كان عليها أن تقضي للشركة المدعية بتعويض يعادل قيمة الضرر، وكان بإمكانها أن تراعي فقط نية الدولة المتسببة في الضرر في تاريخ الوقائع، أي قبل الثورة لا بعدها.
(د)تناقض التعليل: هل يبرر إبطال حكم التحكيم؟
-تستند محكمة استئناف القاهرة بشكل حييّ إلى تناقض تعليل حكم التحكيم حين تقول:
-انساق حكم التحكيم وأستند، دون بصيرة وفي خرق جسيم للقانون وتشويه واضح للواقع، إلى قوالب نظرية معيارية وأرقام ربحية تولدت عن افتراضات ومُقدمات غير صحيحة، خاطئة غير صادقة، مؤسسة على ظن أو افتراض مُصطنع قوامه أن مشروع النزاع حي يتنفس ويلاقي رواجا، ويدّر ربحا متدفقا يتعين حمايته وتأمينه وتوكيده، ومن ثم الحكم به.
وذلك في حين يؤكد الحكم نفسه، في أسبابه وتحليلاته، أن المشروع المأزوم لم يبدأ تنفيذ أي من خطواته الرئيسية، بل اقتصر فقط على مجرد تحضيرات وتصورات بلا دفع أو حركة، فظل عقد الاستثمار سلبيا محضا، بلا جسد مادي، ولا روح [...]".
ويعيدنا هذا التعليل إلى جدال أصبح تقليديا في ما يتعلق بمدى صحة اعتبار التناقض هادما لحكم
التحكيم ومعدما للتعليل أصلا فيعتبر حكما غير معلل، وما إن كان تناقض التعليل مجدر صورة من صور ضعف التعليل التي تخرج عن رقابة قاضي الابطال كما ذهب إليه فقهاء كبار مثل إيمانويل غايّار Emmanuel Gaillard. لكن محكمة القاهرة جنبت نفسها هذا الجدال بعدم الاستناد بشكل واضح إلى تناقض التعليل كسبب كاف بذاته لإبطال حكم التحكيم بل ظل تعليلها يدور حول مسألة الشطط الفادح في التقدير.
(هـ) تأثير الابطال على تنفيذ حكم التحكيم في بلدان أخرى:
-كان نفس الحكم التحكيمي قد تحصل على الصيغة التنفيذية من محكمة الاستئناف بباريس بتاريخ 28 أكتوبر 2014) الحكم منشور على https://www.italaw.com/sites/default/files/case-documents/italaw4072.pdf) . وجدير بالملاحظة أن إبطاله من قبل محكمة الاستئناف بالقاهرة لن يكون له أي تأثير على الاكساء بالصيغة التنفيذية المحكوم به في فرنسا لسببين:
أولا: سبب إجرائي صرف وهو أن حكم الاكساء بالصيغة التنفيذية اتصل به القضاء، فلا يتأثر بحكم لاحق بالإبطال؛
ثانيا: سبب مبدئي وهو أن القضاء الفرنسي لا يقيم وزنا للحكم بإبطال حكم التحكيم في بلد الصدور ولو كان سابقا لتقديم طلب الاكساء بالصيغة التنفيذية إلى المحكمة الفرنسية.
-وبالمقابل توجد بلدان أخرى تنص قوانينها على أن إبطال حكم التحكيم في بلد صدوره يمنع تنفيذه، وبعضها مصادق على اتفاقية نيويورك لسنة 1958 والتي جاءت ملتبسة في هذا الخصوص فرجحت قراءات صيغتها الانجليزية في حين تمسكت قراءات أخرى بحرفية الصيغة الفرنسية. وهذا باب آخر من أبواب النقاشات الفقهية اليت يلامسها هذا الحكم الغزيز العبارة المثير للنقاش والقادح لزناد الفكر بطبعه.
([1]) محكمة التعقيب التونسية، قرار تعقيبي مدني عدد 3784 مؤرخ في 11-3-1980، صادر برئاسة القاضي السيد محمد الصالح رشاد، منشور بمجلة القضاء والتشريع، 1980، صفحة 127، والمجلة القانونية التونسية، 1980، ص. 247:
"الحق يعلو ولا يعلى عليه"
... من وظائف المحاكم السهر على سلامة تطبيق القانون موضوعيا وإجرائيا إلا انه ينبغي كذلك أن لا
يغرب عنها الغاية من تشريع القواعد الإجرائية إنما قصد به أولا وقبل كل شيء تأمين السبل الكفيلة بإعلاء الحق وتمكين صاحبه منه, أما اذا تعارضت القاعدة الإجرائية مع ذلك الحق وأصبحت في بعض الصور حائلا دون تأمينه بل وسببا في هدره وضياعه فإنه يصبح من أوكد واجبات القضاء وهو الحارس الأمين على حقوق المتقاضين ألا تصده الإجراءات الشكلية عن تغليب المبدأ القاضي بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه وان ما بعد الحق إلا الضلال ."