حكم تحكيم الخرافي والحكومة الليبية
حكم تحكيم الخرافي والحكومة الليبية

‫محكمة استئناف القاهرة ـ الدائرة التجارية األولى (السابعة سابقا)‬
‫جلسة ‪ 3‬يونيه ‪2020‬م‬
‫الحكم في الدعوى رقم ‪ 39‬لسنة ‪ 130‬قضائية‪ ،‬تحكيم‬
‫ـ ـ ـ دعوى بطالن حكم تحكيم ‪-‬‬
‫خلفية واقع النزاع التحكيمي وحكمه‪:‬‬
‫أوال‪ :‬النزاع التحكيمي‪:‬‬
‫•بحسب الوارد بحكم التحكيم املطعون فيه‪ ،‬فإنه بناء على قرار وزاري ليبي‪ ،‬أعقبه مباشرة أبرام عقد‬
‫مؤرخ ‪ ، 2006/6/8‬بموجبه عهدت الدولة الليبية إلى الشركة الكويتية محمد عبد املحسن الخرافي إقامة‬
‫مشروع استثماري سياحي "مشترك" بناحية شاطئ منطقة تاجوراء‪ ،‬بشعبة طرابلس الليبية‪ ،‬وسمى‬
‫العقد بأنه عقد إيجار قطعة أرض لغرض إقامة ذلك املشروع وذلك طبقا للقانون الليبي الخاص‬
‫بتشجيع رؤوس األموال األجنبية‪ ،‬وذكر العقد على أن مساحة أرض املشروع تبلغ ‪ 24‬هتكار (‪240000‬‬
‫متر مربع) مملوكة للدولة الليبية‪ ،‬وأن قيمته االستثمارية تبلغ ‪ 130‬مليون دوال أمريكي‪ ،‬على أن يتم‬
‫تنفيذه خالل سبع سنوات ونصف سنة‪ ،‬أما مدة االنتفاع (امتياز شركة الخرافي) فتبلغ تسعون سنة‬
‫ُ‬
‫تبدأ من تاريخ استالم الشركة ألرض املشروع‪ ،‬ونص في العقد أيضا على أن تتولى شركة الخرافي مهمة‬
‫تمويل إقامة املشروع وتشغيله‪-‬فندق خمس نجوم ومركز تجاري خدمي وشقق فندقية ومطاعم و‪-،…‬‬
‫وأكد العقد على التزام الطرف الليبي بأن يسلم الشركة أرض املشروع خالية من كل الشواغل مع ضمان‬
‫خلوها من العوائق املادية والقانونية طيلة مدة االنتفاع االستثماري‪ .‬ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ‬
‫•ووفقا ملدونات حكم التحكيم أيضا‪ ،‬فقد فوجئت الشركة وعقب التعاقد وفي بواكير املشروع بأن‬
‫أرضه ُمحملة بالعديد من املشاكل والعوائق املادية والقانونية‪ ،‬وعجزت األجهزة الليبية عن حل ُمعوقات‬
‫أرض التعاقد‪ ،‬وبدورها عجزت الشركة عن وضع يدها عليها وضعا هادئا‪ ،‬ومرة بعد مرة طالبت الشركة‬
‫الجانب الليبي بتوفير األمن ألعمالها وموظفيها مع ضرورة تجهيز موقع املشروع خاليا توطئة للبدء في‬
‫ّ‬
‫املعنية) اللقاءات واملكاتبات‪،‬‬
‫املسار الالزم إلنجاز أعماله‪ .‬وتبادل الطرفان (الخرافي والجهات الليبية‬

‫ودخال معا في سلسلة من الخالفات‪ ،‬بالجملة فقد وضح للمحتكمة مبكرا أن بداية العمل في املشروع‬
‫املشترك بدا أمرا صعبا وجامدا ومعقدا‪ .‬ـ ـ ـ ـ ـ ـ‬
‫•خالل تلك التعقيدات واملتاعب‪ ،‬اقترحت السلطات املحلية الليبية على الشركة ‪-‬في شهر يناير ‪-2009‬‬
‫موقعا بديال إلقامة املشروع املشترك‪ ،‬ورفضت الشركة هذا العرض وصممت في الوقت نفسه على‬
‫تفعيل املشروع طبقا لبنوده العقدية وعلى ضرورة قيام الجهات الليبية بتهيئة موقع العقد وإزالة‬
‫شواغله ومعوقاته املادية والقانونية‪ ،‬وضمان وحماية وضع يدها عليه حتى يمكنها من البدء في األعمال‬
‫اإلنشائية الالزمة‪ .‬وبعد العديد من االجتماعات واملراسالت لم يقدر الطرفان على إزالة الصعوبات‬
‫املتصلة بأرض املشروع‪ ،‬وبقيت سلسلة املشاكل ممتدة دون حلول‪ ،‬حتى انتكس املشروع وتعثر وخبا في‬
‫مرقده‪ .‬ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ‬
‫•ففي شهر مايو ‪ ،2010‬ودون سابق إنذار‪ ،‬انتهى أمر العقد (املشروع املوعود) بأن أصدر وزير االقتصاد‬
‫الليبي قرارا بإلغاء املوافقة املسبقة املمنوحة لشركة الخرافي بصدد املشروع‪ ،‬والعدول عنه‪ .‬وزعمت‬
‫الجهات اللبيبة أن إلغاء العقد وسحب ترخيص االستثمار يرجع إلى تراخي الشركة في الوفاء بالتزاماتها‬
‫العقدية‪ .‬ومن ناحيتها اعترضت الشركة على قرار اإللغاء هذا واصفة إياه بالتعسف‪ ،‬وأضافت بأنها‬
‫سعت لدى الجهات الليبية املسؤولة في من أجل إعادة إحياء املشروع‪ ،‬مشترطة تمكينها من وضع يدها‬
‫فعليا على أرضه خالية وإزالة املباني املقامة عليها وضمان تطهيرها من كافة املعوقات واملشاكل‪ ،‬مادية‬
‫كانت أم قانونية‪ ،‬فحيازتها التامة ألرض املشروع تعد شرطا ضروريا لتنفيذ التعاقد االستثماري‪ ،‬وأن‬
‫الدولة الليبية تضمن عدم تعرضها هي (وتعرض الغير) لها في االنتفاع بأرض املشروع دون عائق‪ .‬ولم‬
‫تفلح الشركة في مسعاها هذا‪ ،‬إذ أصر الجانب الليبي على موقفه واصفا عقد النزاع بأنه من العقود‬
‫اإلدارية‪ ،‬وكذلك قرار إلغاءه‪ ،‬وبأن تلكؤ الشركة في التنفيذ هو سبب إفساد املشروع‪ .‬ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ‬
‫ُ‬
‫•زعمت شركة الخرافي بأنها أبرمت العقد من أجل االستثمار على أرض دولة ليبيا ‪-‬املضيفة لالستثمار‪-‬‬
‫ُمعتمدة في ذلك على ضمانات وتسهيالت حكومية ليبية وقوانين نافذة تهدف إلى جذب االستثمارات‬
‫ُ‬
‫العربية والدولية على أرضها‪ ،‬وأعلنت الشركة أن استثماراتها قد تأثرت وإنها أضيرت ماليا وأدبيا بسبب‬
‫سلوك الحكومة الليبية‪ ،‬ودمغت الشركة هذا السلوك بأنه يمثل انتهاكا للموجبات العقدية‪ ،‬ويعد في‬
‫الوقت نفسه إخالال بالنصوص التشريعية واالتفاقيات الدولية الخاصة باالستثمار العربي واألجنبي‬
‫السارية في الدولة الليبية‪ ،‬التي خلقت أجهزتها املختلفة الكثير من الصعاب واملضايقات التي ترتب عليها‬
‫في النهاية إجهاض املشروع املشترك وحالت بذلك دون املض ي في تنفيذه مما حرمها بغير وجه حق من‬
‫عوائده االستثمارية املستقبلية‪ .‬ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ‬

‫•هذا‪ ،‬وبحسبان أن عقد النزاع تضمن بندا تحكيميا جرى على إنه في حال نشوء أي نزاع بين الطرفين‬
‫يتعلق بتفسير نصوص العقد أو تنفيذه أثناء سريانه يتم تسويته وديا‪ ،‬وإذا تعذر ذلك يحال النزاع إلى‬
‫التحكيم وفقا ألحكام االتفاقية "املُ ّ‬
‫وحدة" الستثمار رؤوس األموال العربية في الدول العربية‪ ،‬تلك‬
‫الصادرة عام ‪ .1980‬اعتمادا على هذا البند التحكيمي وباعتبار أن دولتي ليبيا والكويت من دول‬
‫االتفاقية‪ ،‬فقد سعت شركة الخرافي إلى إحالة النزاع إلى التحكيم الخاص باالستثمار العربي الوارد في‬
‫هذه االتفاقية "املُ ّ‬
‫وحدة" وملحقها الخاص بالتوفيق والتحكيم‪ ،‬باعتباره نظاما تحكيميا داخال في نطاق‬
‫جامعة الدول العربية ويعمل أو يجري تحت إشراف ورعاية أمانتها العامة‪.‬‬
‫•وفي ظل االتفاقية "املُ ّ‬
‫وحدة" وتتبعا ألحكامها‪ ،‬بادرت شركة الخرافي إلى الحصول على موافقة السيد‬
‫األمين العام لجامعة الدول العربية على البدء في اإلجراءات التحكيمية ضد الدولة الليبية وهيئاتها‬
‫الحكومية‪ ،‬وتشكلت هيئة تحكيم (خاصة) من ثالثة أعضاء وأتفق األطراف على تطبيق القوانين الليبية‬
‫ُ‬
‫على موضوع النزاع بما في ذلك قانون رؤوس األموال األجنبية وتعديالته‪ ،‬وعلى أن تحصل املحاكمة‬
‫التحكيمية طبقا للقواعد اإلجرائية النافذة في مركز القاهرة اإلقليمي للتحكيم التجاري املعروف‬
‫بـ) )‪ ،:CRCICA‬وفي مقره الكائن بالعاصمة املصرية‪ .‬وفي الدعوى التحكيمية ‪-‬التي لم تأخذ أي رقم‬
‫بسجالت املركز التحكيمي– قدم كل طرف طلباته وأدلته ودفاعه وحججه ُ‬
‫وشروحاته وتفاسيره ووجهات‬
‫نظره وتعليقاته‪.‬‬

‫ـ ـ ـ حكم التحكيم‪:‬‬
‫بتاريخ ‪2013/3/22‬م وفي القاهرة‪ ،‬صدر حكم التحكيم ملصلحة الشركة الكويتية‪ ،‬وفيه تناولت هيئة‬
‫ُ‬
‫التحكيم الكثير من الواقعات والتعليالت واألسباب والنتائج‪ ،‬ذكرت في الحكم بإسهاب ومعالجات‬
‫استطرادية ُمطولة في كل املسائل التي كانت محل نزاع بين أطراف دعوى التحكيم‪ ،‬واملثار أغلبها كذلك‬
‫في دعوى البطالن املطروحة‪ .‬ومن أبرز ما أورده حكم التحكيم‪ ،‬وبإيجاز‪ ،‬ما يلي‪:‬‬
‫•إنه ال يمكن اعتبار العقد مصدر النزاع (عقد ‪ )2006/6/8‬من العقود اإلدارية‪ ،‬بل هو من عقود‬
‫"البوت" الخاضعة للقواعد القانونية التقليدية املنطبقة على العقود املدنية الخاصة‪ .‬وإنه وفقا‬
‫للمعايير الدولية والليبية‪ ،‬فالعقد يتضمن مشروعا سياحيا استثماريا ربحيا عربيا (أجنبيا)‪ ،‬فيسري في‬
‫شأنه قواعد القانون الليبي الخاص بتشجيع استثمار رؤوس األموال األجنبية‪ ،‬وكذلك قواعد االتفاقية‬
‫"املُ َ‬
‫وحدة" الستثمار رؤوس األموال العربية التي تعد بدورها جزءا ال يتجزأ من التعاقد‪ ،‬كما ذكر الحكم‬
‫أن موافقة ليبيا على التحكيم وفقا لنظام االتفاقية‪ ،‬ثابتة في ذات العقد‪ .‬ـ ـ ـ ـ ـ‬

‫•أيضا‪ ،‬اعتبرت هيئة التحكيم أن عقد النزاع يتسم بطابع حكومي‪ ،‬ومن ثم فقد أجازت االحتجاج‬
‫بشرطه أو بنده التحكيمي ضد املحتكم ضدهم‪ :‬دولة ليبيا‪ ،‬وزارة االقتصاد الليبية‪ ،‬الهيئة العامة‬
‫لتشجيع االستثمار وشئون الخخخصة (سابقا الهيئة العامة للتمليك واالستثمار)‪ ،‬مصلحة التنمية‬
‫ُ‬
‫السياحية‪ ،‬وأخيرا وزارة املالية في ليبيا التي قبل الحكم إدخالها في دعوى التحكيم كمحتكم ضدها‬
‫ُ‬
‫(رابعا) لكونها هي امللزمة بصرف املبالغ املستحقة تنفيذا لألحكام القضائية الصادرة ضد الجهات العامة‬
‫ُ‬
‫املمولة من خزانة الدولة الليبية‪ .‬قبول هذا اإلدخال قد ينطوي على داللة غير خافية على نحو ما‬
‫سيبدو ‪.‬‬
‫•رأت هيئة التحكيم أن املساعي الودية قد ُبذلت من األطراف قبل تقديم طلب التحكيم دون أن تسفر‬
‫عن نتيجة توافقية‪ ،‬فاملستثمر الكويتي "املحتكمة" استنفد طرق الحل الودية قبل اللجوء إلى التحكيم‪.‬‬
‫أما من ناحية نطاق الشرط التحكيمي‪ ،‬فقد قررت هيئة التحكيم أن هذا الشرط ينبسط على كافة‬
‫املنازعات الناشئة عن العقد االستثماري موضوع النزاع‪ ،‬وأقرت الهيئة كذلك بصالحيتها واختصاصها‬
‫باملهمة التحكيمية املوكولة إليها‪ ،‬ثم انتقلت بعد ذلك إلى التصدي ملوضوع الدعوى التحكيمية والبت‬
‫فيه‪.‬‬
‫•وتذكر املحكمة هنا‪ ،‬إنه في نطاق استخالص حكم التحكيم وفهمه واستنباطه للواقع‪ ،‬فقد ّ‬
‫دون في‬
‫أسبابه أن الشركة املحتكمة لم يكن بإمكانها استصدار التراخيص املتطلبة أو عمل الرسومات والخرائط‬
‫والتصاميم التفصيلية والجدول الزمني للمشروع‪ ،‬فمرجع ذلك إنها لم تتسلم بالفعل أرضه خالية‬
‫ُ‬
‫لتنتفع بها االنتفاع املقصود من التعاقد‪ ،‬كما أن الدولة الليبية املضيفة لالستثمار ُملزمة –وتابعيها‪ -‬في‬
‫كل األحوال بحماية املستثمر األجنبي (العربي) وبأن تصون وتضمن استثماره وعوائده على أراضيها دون‬
‫معوقات أو موانع‪ ،‬لذلك تكون دولة ليبيا هي املسئوولة وحدها عن عدم مباشرة أعمال املشروع‬
‫املشترك وتحقيق غاياته التنموية الطموحة‪.‬‬
‫•وباالستناد إلى استنتاجات واقعية وحجج قانونية ارتأتها‪ ،‬أضافت هيئة التحكيم أن الطرف الليبي‬
‫املحتكم ضده لم يكن على حق في فسخ وسحب مشروع التعاقد‪ ،‬وأن االستثمار الحاصل من جانب‬
‫ّ‬
‫املحتكمة (املستثمر الكويتي) ُأ ّ‬
‫ّ‬
‫تعسفي‪ ،‬مماثل للتجميد والتصفية والتدابير األخرى التي لها‬
‫بشكل‬
‫نهى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫نفس اآلثار‪ ،‬والتي ّ‬
‫املوحدة‪ ،‬وهو األمر الذي يترتب‬
‫تحرمها نصوص القانون الليبي وقواعد االتفاقية‬
‫عليه مسؤولية األجهزة الليبية املحتكم ضدها‪.‬‬

‫ولذلك انتهى حكم التحكيم إلى استحقاق الشركة املحتكمة للتعويض عن األضرار املادية واألدبية‬
‫املباشرة التي أصابتها من جراء اإلنهاء غير القانوني للتعاقد‪ ،‬واستحقاقها كذلك تعويضا عن الربح الذي‬
‫ُ‬
‫فاتها وحرمت منه‪ ،‬بحسب عبارات الحكم "‪ …‬من الفرص الضائعة األكيدة واملحققة" لو كان مشروع‬
‫التعاقد قد أكتمل تنفيذه "‪ …" ،‬صافي أرباح الشركة طوال مدة االستثمار‪ 83 ،‬سنة فقط"‪ .‬ـ‬
‫•وتبعا لذلك‪ ،‬فقد تضمن منطوق حكم التحكيم إلزام الجهات املحتكم ضدها‪ ،‬بالتكافل والتضامن‪،‬‬
‫بعدد من االلتزامات املالية‪ :‬أن تدفع إلى شركة الخرافي الكويتية املبالغ اآلتية‪ 30 :‬مليون دوالر تعويضا‬
‫ُ‬
‫"امل ّ‬
‫تكبدة"‪ 900 ،‬مليون دوالر تعويضا‬
‫عن األضرار األدبية‪ 5 ،‬مليون دوالر قيمة الخسائر واملصروفات‬
‫عن الكسب الفائت‪ ،‬مليون و‪ 940‬ألف دوالر رسوم ومصاريف التحكيم‪ ،‬أي بإجمالي تسعمائة وستة‬
‫وثالثين مليون وتسعمائة وأربعين ألف دوالر أمريكي‪ ،‬إضافة إلى فائدته بمعدل ‪ %4‬سنويا عن إجمالي‬
‫املبالغ املحكوم بها‪ ،‬ورفض باقي األقوال والطلبات األخرى‪.‬‬
‫•وفي ختام حكمها‪ ،‬وبشكل الفت‪ ،‬فقد استندت هيئة التحكيم إلى نص املادة الثامنة الذي ورد في ملحق‬
‫االتفاقية "املُ َ‬
‫وحدة" لتصف حكمها بأنه حكما نهائيا غير قابل للطعن‪ ،‬ويكون له قوة النفاذ بحيث‬
‫يجري تنفيذه مباشرة كما لو كان حكما نهائيا قابال للتنفيذ دون صيغة تنفيذ‪ ،‬بذات عبارات هيئة‬
‫التحكيم في حكمها "‪ …‬قرار نهائي معجل التنفيذ‪ ،‬نافذا على أصله‪ ،‬صدر بأغلبية األصوات وإنه غير‬
‫قابل للمراجعة"‪ ،‬هكذا تحدث الحكم عن نفسه‪ ،‬حكم ال رجعة فيه‪ ،‬غير قابل ألي مراجعة كانت‪.‬‬
‫مسار دعوى اإلبطال الحاضرة‪:‬‬
‫إحالة ‪:‬حيث أن وقائع الدعوى الحاضرة وعناصرها ومستندات الخصوم ودفوعهم ودفاعهم فيها أحاط‬
‫بها الحكمان السابق صدورهما من هذه املحكمة في جلسة ‪ 2014/2/5‬وجلسة ‪ 2018/8/6‬وحكمي‬
‫محكمة النقض اللذين سيرد ذكرهما‪ ،‬وتحيل املحكمة إلى مدونات هذه األحكام معتبرة أسبابها ُمكملة‬
‫ألسباب هذا الحكم ُ‬
‫ومتممة له‪ ،‬وبالطبع دون أن تتضمن هذه اإلحالة التقديرات والحيثيات والدعامات‬
‫والنتائج املتناقضة مع أسباب الحكم الحالي أو املعارضة لعماده‪ .‬وعلى أية حال‪ ،‬وبكلمات موجزة وبالقدر‬
‫الكافي لحمل املنطوق‪ ،‬تعرض املحكمة للعناصر األساسية اآلتية ‪:‬‬
‫•باعتبار أن مصر هي دولة مقر التحكيم‪ ،‬فقد طعن الجانب الليبي على حكم التحكيم أمام هذه املحكمة‬
‫بالدعوى الحالية طالبا القضاء ببطالنه‪ .‬وفي ‪ ،2014/2/5‬واستنادا إلى أن االتفاقية "املُ ّ‬
‫وحدة" لم تتكلم‬
‫عن أي نظام إجرائي يؤدي إلى إبطال أحكام التحكيم الصادرة في نطاقها وتحت مظلتها‪ ،‬إذ إنها لم تذكر‬

‫مصطلح أو لفظ البطالن هذا‪ ،‬ال من بعيد أو قريب‪ ،‬قضت املحكمة بعدم قبول الدعوى‪ ،‬وجاء بحكمها‬
‫تبريرا لقضائها ‪ …".‬أن التحكيم الخاضع لتلك االتفاقية وملحقها يعتبر نظاما قانونيا مستقال بذاته‪ ،‬ال‬
‫عالقة له بأي نظام إجرائي وطني ولو في الدولة التي جرى فيها التحكيم"‪ ،‬وعلى هذا األساس فحكم‬
‫التحكيم املطعون فيه‪ ،‬بمراعاة نصوص االتفاقية‪ ،‬يكون دائما نهائيا وملزما ونافذا‪ ،‬غير قابل للطعن‬
‫فيه أمام املحاكم‪ ،‬ومن ثم فإنه يخرج بحسب طبيعته هذه عن نظام دعاوى البطالن الوارد في قانون‬
‫التحكيم املصري رقم ‪ 27‬لسنة ‪.1994‬‬
‫ُ‬
‫•طعنت ليبيا بطريق النقض على القضاء السالف الذكر‪ ،‬وقيد طعنها برقم ‪ 6065‬لسنة ‪ 84‬ق‪ ،‬وفي‬
‫‪ 2015/11/14‬أصدرت محكمة النقض حكمها بنقض الحكم (القاض ي بعدم القبول)‪ ،‬وورد بعماد‬
‫حكمها الناقض‪ ،‬إنه ولئن كانت االتفاقية املُ ّ‬
‫وحدة ‪-‬بالتحديد ملحقها‪ -‬قد حظرت الطعن في أحكام‬
‫املحكمين الخاضعة لها بطرق الطعن العادية وغير العادية إال أنها لم تمنع صراحة إقامة دعوى بطالن‬
‫أصيلة في شأنها‪ ،‬فدعوى البطالن املقررة ألحكام التحكيم ال تعد طريقا من طرق الطعن بدرجاته‬
‫املتعارف عليها في قانون املرافعات القضائية‪ ،‬بل هي دعوى أصيلة مبتدأة تعد أداة قضائية (استثنائية‬
‫وخاصة ومتميزة) لرد حكم التحكيم الذي أصابه ّ‬
‫عوار في مقوماته األساسية مما يستوجب زواله ومنعه‬
‫من إنفاذ آثاره‪.‬‬
‫•بمعنى أن كل حكم تحكيم جرى في مصر يخضع دائما‪ ،‬ولو كان دوليا‪ ،‬لنظام دعاوى البطالن وحاالتها‬
‫وأسبابها ذات الطبيعة اإلجرائية الواردة في قانون التحكيم املصري‪ ،‬والتي تهدف ‪ -‬في األساس وبخالف‬
‫الطعون القضائية العادية‪ -‬إلى ُمعاقبة أو ُمالحقة املخالفات الخطيرة الظاهرة في حكم التحكيم املتمسك‬
‫ببطالنه‪ ،‬وبالتالي وبحسب حكم النقض تكون دعوى البطالن القائمة مقبولة شكال‪ ،‬ويتعين على محكمة‬
‫البطالن لذلك أن تتحقق وتبت في املخالفات املثارة أو املنسوبة لحكم التحكيم وأن تأتي بجواب صريح‬
‫فيها‪ .‬وعليه أحال الحكم الناقض القضية إلى هذه املحكمة (كمحكمة بطالن) للفصل في موضوعها ‪-‬‬
‫بدائرة أخرى‪ -‬وفقا لقانون التحكيم املصري باعتباره الشريعة التحكيمية العامة لكل تحكيم يجري في‬
‫مصر‪.‬‬
‫•وبجلسة ‪ 2018/8/6‬أصدرت الدائرة األخرى (الدائرة ‪ 62‬بتشكيل مغاير) حكمها القاض ي بعدم‬
‫اختصاصها دوليا بنظر دعوى البطالن املطروحة‪ ،‬وفيه صرحت إنها بنت حكمها (الجديد) على فهم‬
‫جديد لواقع الدعوى وأساس قانوني مغاير لفهم وأساس الحكم األول (حكم ‪ 2014/2/5‬املنقوض)‪.‬‬
‫وأقام الحكم قضاءه على أساس إنه طاملا أن الدعوى التحكيمية جرت في ظل أحكام االتفاقية املُ ّ‬
‫وحدة‪،‬‬
‫فحكمها يكون ُمحصنا أمام القضاء املحلي لكل دولة من دول االتفاقية ولو بدعوى إبطال مبتدأة‪.‬‬

‫مستطردا‪ ،‬أضاف الحكم أن الدعوى األصيلة ببطالن أحكام التحكيم تعد ‪-‬بشكل أو آخر‪ -‬منازعة ناشئة‬
‫ُ‬
‫عن تطبيق االتفاقية التي تحدد بشكل حصري محكمة االستثمار العربية كجهة قضائية خاصة‬
‫باملنازعات الناشئة مباشرة عن االتفاقية نفسها‪ ،‬وأن تلك املحكمة االستثمارية التابعة لجامعة الدول‬
‫العربية هي محكمة إقليمية دولية مستقلة‪ ،‬منقطعة الصلة باألنظمة اإلجرائية الوطنية بما في ذلك كل‬
‫نظام تحكيمي وطني‪ ،‬وبهذه املثابة فإن دعوى البطالن تخرج عن والية القضاء املصري ونطاق‬
‫اختصاصه الدولي‪.‬‬
‫• ّ‬
‫للمرة الثانية سلكت ليبيا طريق النقض‪ ،‬فطعنت على الحكم السابق (حكم ‪ )2018/8/6‬بالطعن رقم‬
‫‪ 18615‬لسنة ‪ 88‬ق‪ ،‬وبتاريخ ‪ 2019/12/10‬قضت محكمة النقض بنقضه كليا‪ ،‬وفي حكمها أظهرت‬
‫القاعدة التي تقض ي بأن موضوع االختصاص ‪-‬بصوره املختلفة‪ -‬يعد أمرا مطروحا دائما على محكمة‬
‫النقض ولو لم يرد بشأنه نعي خاص به‪ ،‬وحكم النقض السابق (حكم ‪ )2015/11/14‬يتضمن بالضرورة‪،‬‬
‫وكمسألة قانونية محسومة بقضاء فاصل وقاطع‪ ،‬اختصاص محكمة استئناف القاهرة بنظر دعوى‬
‫بطالن حكم التحكيم املطروحة‪ .‬لذلك ّ‬
‫قرن حكم النقض (الثاني) قضاءه الناقض باإلحالة مرة ثانية‬
‫إلى هذه املحكمة للفصل في موضوعها بحكم جديد‪ ،‬أي بالتصدي لألسباب التي أقيمت عليها دعوى‬
‫اإلبطال‪ .‬بصدد هذه اإلحالة (الثانية) أشار الحكم إلى إنه ولئن كان القانون ُيلزم محكمة النقض إذا‬
‫كان الطعن أمامها للمرة الثانية أن تحكم في املوضوع إال أن التزامها بذلك ال يقوم أصال في حالة نظر‬
‫ُ‬
‫املوضوع على درجة واحدة‪ ،‬فمحكمة االستئناف القاهرة ‪-‬التي تطرح أمامها بحسب األصل دعاوى بطالن‬
‫أحكام التحكيم ابتداء ومباشرة‪ -‬لم تستنفد واليتها في الفصل في موضوع الدعوى بالبطالن‪ ،‬فقد‬
‫اقتصرت في حكميها عند حد الوقوف على املظهر الشكلي‪ ،‬عدم قبول الدعوى ثم عدم االختصاص بها‪،‬‬
‫ولم تتجاوز النظر فيما عدا ذلك‪.‬‬
‫ُ‬
‫•وقام الطرف الليبي بتعجيل دعوى البطالن ‪-‬للمرة الثانية‪ -‬حيث أعيدت إلى الحياة واستأنفت سيرها‬
‫ُ‬
‫من جديد‪ ،‬ونظرت أمام هذه الدائرة (التجارية األولى) بجلسة ‪ 2020/3/2‬وفيها حضر الخصوم وقدموا‬
‫مستندات ومذكرات عدة تمسكوا فيها بأوجه دفاع ال تخرج في جوهرها وفحواها عما سبق أن قدموه‬
‫أو استندوا إليه من أدلة واقعية وحجج قانونية طوال مراحل التقاض ي (صفحات بعد صفحات وأوراقا‬
‫بعد أوراق)‪ ،‬لذلك قررت املحكمة النطق بالحكم في الدعوى بجلسة اليوم مدا‪ ،‬وبعد املداولة أصدرت‬
‫حكمها هذا‪.‬‬

‫الــمحـكـم ـ ـة‪:‬‬

‫‪-1‬وحيث إنه في القانون املصري‪ ،‬فوفقا ألحكام دعوى بطالن أحكام التحكيم التي هي الضمانة الكبرى‬
‫املرتبطة بمصالح أطرافه‪ ،‬وبحسب طبيعتها‪ ،‬فال شأن لقاض ي البطالن بالنتيجة التي خلص إليها حكم‬
‫التحكيم‪ ،‬كما إن أخطاء الحكم املتعلقة بعيوب في التقدير بالنسبة لعناصر الواقع أو بمخالفة القانون‬
‫ال تجعله بالضرورة موصوما بالبطالن‪ ،‬وبطبيعة الحال ال يجوز للخصوم إعادة الجدل في عناصر النزاع‬
‫املوضوعي أو إعادة طرحها من جديد على محكمة البطالن ملراجعتها‪ .‬وال يملك القضاء تخحيح أو إتمام‬
‫النتائج التي أثبتها املُحكم أو رد األمور إلى نصابها أو أن ّ‬
‫يقوم أو يخحح ما يكون في حكم التحكيم من‬
‫ّ‬
‫عوج‪ .‬ومع ذلك كله‪ ،‬وعلى الرغم من قوامه وكيانه االتفاقي الذاتي واملتميز‪ ،‬فإن لنظام أو طريق التحكيم‬
‫من األطر التحكيمية الكلية والقواعد املبدئية "العدلية" التي توجبها الفطرة وتفرضها حقائق األشياء‬
‫ما يحول دون إساءة استخدامه بما ُي ّ‬
‫خرجه عن وظيفته وحدوده املنطقية املشروعة‪ ،‬فالتحكيم نظام‬
‫قانوني ال نظام مطلق‪ ،‬لذلك فإن جاوز حكم التحكيم ضوابط التحكيم وأطره الجوهرية أو عطلها‪ ،‬فال‬
‫يكون الحكم مستحقا للحماية املقررة له‪ ،‬وبالتالي فال يكون ُمحصنا‪ .‬فغير مسموح ُ‬
‫للمحكم أن يتح ّرر‬
‫من أي ضوابط قانونية أساسية أو أن يهدر مبادئ عدلية جوهرية أو أن يتحلل من الضمانات والواجبات‬
‫السلوكية واجبة الصيانة‪ ،‬أو أن يخترع شيئا من ال ش يء‪.‬‬
‫‪ -2‬لذا‪ ،‬فال ُيحرم قاض ي البطالن –عند ُمخاصمة حكم التحكيم‪ -‬من أن يمر على أسباب الحكم فاحصا‬
‫إياها‪ ،‬بعناية وفهم ويقظة ودراية‪ ،‬سبيال إلى استظهار واستبيان مفترضات املطاعن املثارة في شأنه والتي‬
‫قد تؤدي –حسب ظهورها الواضح الصريح وتأثيرها الجسيم ‪-‬إلى إبطاله‪ .‬ومن زاوية النظام العام‪ ،‬فيحق‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫للقضاء دائما التدقيق واالستيثاق مما إذا كانت معايير املحاكمة التحكيمية (النزاهة اإلجرائية )قد تم‬
‫ُ‬
‫االلتزام بها أو إنها أهدرت بشكل جوهري‪ ،‬خطير وواضح ‪.‬وكذلك يملك القضاء تقدير ما إذا كان الحكم‬
‫قد تضمن ‪-‬في أسبابه املؤثرة في محصلته أو في منطوقه ‪-‬عدوانا‪ ،‬حقيقيا وواضحا‪ ،‬على قواعد النظام‬
‫العام‪ ،‬تلك ذات األصول اليقينية الثابتة‪ ،‬من عدمه‪ .‬وتندرج تحت هذه القواعد بطبيعة الحال القواعد‬
‫األولية الضرورية التي تالزم ضوابط ومعايير العقل وتفرضها حقائق األشياء‪ ،‬فهذه ال يجوز ُ‬
‫للمحكم أن‬
‫يتجاوزها أو يهدرها أو يتجاهلها على نحو مفرط‪ .‬هكذا‪ ،‬وفي حدود قانونية ُ‬
‫محدودة وضيقة‪ ،‬يقول قضاء‬
‫البطالن كلمته في شأن حكم التحكيم‪ ،‬إبطاله أو رفض دعوى إبطاله‪ .‬وفي كل األحوال‪ ،‬ورغم مرونة‬
‫الضوابط القانونية والشكلية للشأن التحكيمي‪ ،‬قياسا على الضوابط الصلبة أو الخشنة املتصلة‬
‫ُ ّ‬
‫للمحكم أن يتمتع بسلطة كاملة ومطلقة ال قيد عليها وال عاصم من‬
‫بالشأن القضائي‪ ،‬فإنه ال يمكن‬
‫جموحها أو انحرافها ‪.‬في نطاق تبعات ودالالت قواعد النظام العام‪ ،‬أوامره ونواهيه‪ ،‬وموازينه العصرية‬
‫التي استقرت حقيقتها‪ ،‬ال يتبوأ كل حكم ولو كان تحكيميا صدارة ما‪ ،‬فليس له –كغيره‪ -‬مصدر‬
‫ُ‬
‫قدس ي ‪.‬فالتحكيم ليس مقصودا لذاته‪ ،‬وال هو ّ‬
‫مزية يتحرر فيه املحكم من كل قيد‪.‬‬

‫‪ -3‬في مجال املسئوولية املدنية‪ ،‬فالحكم بالتعويض يعد أمرا مرهونا لزوما بوقوع الضرر‪ ،‬وبحيث‬
‫يتم تحديد مقدار التعويض بقدر يتناسب مع الضرر‪ ،‬أي متكافئا عقال مع الضرر ومناسبا لجبره‪ ،‬ويقاس‬
‫ُ‬
‫الضرر بمعايير أو أسس موضوعية تأخذ في االعتبار الظروف الواقعية املالبسة‪ .‬يمثل مبدأ التكافؤ أو‬
‫التناسب في تقدير التعويض قاعدة ثابتة من قواعد النظام العام املشتركة التي ال يجوز التفريط‬
‫فيها الرتباطها الوثيق بمصالح وحقوق األفراد واحترام توقعاتهم املشروعة‪ ،‬فيحق للقضاء أن يستظهر‬
‫–دون بحث موضوعي أو تعمق‪ -‬مدى احترام حكم التحكيم ملبدأ التناسب هذا‪ ،‬بحيث يمكن إبطال‬
‫الحكم‪ ،‬أو رفض تنفيذه‪ ،‬إذا كان متضمنا –بوضوح وبشكل ملموس بارز‪ -‬تعويضا مجحفا‪ ،‬ظاملا ظلما‬
‫شديدا‪ ،‬يتجاوز الضرر بشكل فادح‪ ،‬غير مالئم وغير قابل للتعليل باملرة ‪.‬وعموما‪ ،‬فالتعويض ‪-‬أيا كان‬
‫وفي إطار توازن املصالح على اختالفها‪ -‬يجب أن ال يتعارض في مداه مع مقتضيات العدالة وروح‬
‫األنصاف‪ ،‬وإال تمخض إلى فوض ى وعدوان‪ ،‬وبالتالي فإنه ال يوجد تعويض بال قيد أو سقف أو حاجز‪،‬‬
‫وإال صار لغوا عبثيا‪ ،‬فعال تحكميا تسلطيا‪ّ ،‬‬
‫منهيا عنه في كل قانون‪.‬‬
‫‪ -4‬وألنه من غير املتصور أن يصبح العالج أسوء من املرض‪ ،‬كما أن الضرر ال ُيدفع بضرر مثله‪ .‬لذلك‬
‫يعمل كل قانون على إرساء قاعدة عدالة التعويض‪ .‬املادة التاسعة من االتفاقية "املُ ّ‬
‫وحدة" الستثمار‬
‫رؤوس األموال العربية ذاتها حرصت على صون وتوكيد هذه القاعدة‪ ،‬فقضت في صلبها على وجوب أن‬
‫يكون التعويض املستحق للمستثمر العربي تعويضا عادال يتناسب مع الضرر ‪"…‬نتيجة قيام الدولة‬
‫املضيفة أو إحدى سلطاتها العامة أو املحلية‪ ." ….. ،‬هذا ولئن كان جبر الضرر هو مضمون الحق في‬
‫التعويض والغاية املستهدفة منه‪ ،‬فإن الخروج عن الحدود املوضوعية املنطقية العاقلة لهذا الحق قد‬
‫ُيوصف بكونه سلوكا شاذا أو عمال خارجا أو فعال كيديا أو حكما منحرفا‪ ،‬غير مشروع‪.‬‬
‫‪ -5‬وإعماال لقاعدة قانونية أساسية ومشتركة‪ ،‬فمن غير الجائز ممارسة الحقوق ألهداف خارجة عن‬
‫ُ‬
‫تلك التي أعطيت لحمايتها‪ ،‬أي أنه ليس من املقبول ممارسة الحق أو استخدامه على نحو ينافي مقاصده‪،‬‬
‫ُ‬
‫بحيث يصبح في ظل الظروف والحقائق املحيطة‪ -‬مخالفا ألغراضه املنطقية‪ ،‬أو متجاوزا لعناصره‬
‫ومتطلباته‪ .‬هنا يصبح القانون ذاته (استعمال الحق) خارجا على القانون‪ .‬بعبارة أخرى‪ ،‬فمن األصول‬
‫التي تقوم عليها فكرة القانون يوجد مبدأ يحظر التعسف في استعمال الحقوق‪ ،‬بحيث ال يجوز ممارسة‬
‫حق ما ألغراض غير تلك التي أنش ئ من أجلها‪ ،‬فعندما ُيستعمل الحق القانوني أو ُيطبق بشكل مختل‪،‬‬
‫باملرة" ّ‬
‫متجاوز الحدود املوضوعية املعقولة‪ ،‬أي على وجه غير مناسب ّ‬
‫متهور"‪ ،‬فإن هذا االستعمال غير‬
‫الجاد للحق (بالنظر إلى غايته املقصودة في ضوء الحالة الفردية املثارة) يكون فعال محرما فاقدا‬
‫للمشروعية‪ ،‬ال يحميه القانون‪ ،‬فقبل كل ش يء‪ ،‬ال يمكن للحق أن يناقض نفسه أو روحه وفحواه‪.‬‬

‫‪-6‬عند الكالم في القانون في ُمجمله‪ ،‬فهناك مبادئ عليا حاكمة‪ ،‬ال يمكن التالعب في جوهرها أو معناها‬
‫ألنها تسمو في مرتبتها على كل قانون ولو كان مكتوبا‪ .‬تأكيدا وتوطيدا لحقوق اإلنسان ولقيمة العدل ‪-‬‬
‫الذي تزهو به األمم‪ -‬وأطره ومفاهيمه‪ ،‬فإن املبدأ الهادف إلى درء الظلم الجسيم والفاضح الذي يرفضه‬
‫العقل القويم –دفع املضار ‪-‬يعتبر أصال ثابتا ساريا في كل زمن وعبر كافة الدول‪ ،‬فمثل هذا الظلم الشديد‬
‫يجب أن يذهب‪ ،‬ودرءه ليس مجرد تكليف ديني أو أخالقي سلوكي وإنما يعد‪ ،‬فوق ذلك‪ ،‬التزاما قانونيا‬
‫من املتعين مراعاة توجيهاته وتوكيد معناه‪.‬‬
‫‪ -7‬بقوة شواهد الواقع واملقاييس العقلية‪ ،‬فهناك دائما‪ ،‬عند الفصل في كل نزاع‪ ،‬حدود حيوية توجبها‬
‫الفطرة وتفرضها حقائق األشياء‪ ،‬غير مسموح بتخطيها أو اإلطاحة بها‪ ،‬وال يجوز إغفال تجاوزها‬
‫الفاضح‪ ،‬وإال تصادم ذلك مع مفهوم الحق في ُمحاكمة عادلة ُمنصفة‪ ،‬تلك التي تكفلها وتحميها‪ ،‬نظرا‬
‫ألهمية املصالح املرتبطة بها‪ ،‬املواثيق والدساتير‪ُ .‬محاكمة ُمحايدة‪ ،‬نزيهة‪ُ ،‬متكافئة‪ ،‬وفقا لوسائل‬
‫وضمانات قانونية وضوابط منطقية مبدئية ُتوفر في نهاية مطافها حال ُمنصفا أو مالئما أو متوازنا لحقوق‬
‫األفراد املتنازع فيها‪ .‬ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ‬
‫‪ -8‬ووفقا للمفاهيم املعاصرة وعلى نحو قاطع‪ ،‬فإن فهم وتفسير وتطبيق القانون يخضع لضوابط عدالة‬
‫واجبة‪ ،‬معايير دنيا لإلنصاف‪ ،‬يتعين بالضرورة أخذها في الحسبان وتفعيلها دون أي انطباعات أو تحيزات‬
‫مسبقة‪ .‬فالقانون ليس بعيدا عن العدالة وال العدالة منقطعة عن القانون‪ ،‬بل إن الرابط بينهما صالت‬
‫وأرحام‪ .‬فتوجد دائما توجهات عدالة الزمة وضرورية متصلة بالواقع تندرج تحت حدود وأقيسة عقلية‬
‫منطقية ‪ -‬شأنها في ذلك شأن القواعد القانونية جميعها‪ -‬تنبه وتوجه في زمن ُمحدد وبيئة واقعية‬
‫ُمعاشة‪ .‬وقد ذهب الفالسفة القدماء إلى أن البحث عن الحقيقة في القانون يعني البحث عن العدل‬
‫ألن العدل هو الذي يمثل حقيقة القانون وجوهره‪ ،‬وعليه فإن تطبيق القاعدة القانونية أو فهمها‬
‫وتفسيرها‪ ،‬على الواقع العملي‪ ،‬يلزم أن يكون ممزوجا بموجبات عدالة محل اعتبار دائم‪.‬‬
‫ٌّ‬
‫وضعي ُيوقعه القضاء‪ ،‬فإن هذا يعني‬
‫‪-9‬حقيقة األمر إنه إذا لحق بقاعدة الدين أو قاعدة األخالق جزاء‬
‫أنها صارت قاعدة مزدوجة الصفة‪ ،‬وجزاؤها الوضعي إنما يترتب باعتبارها قاعدة قانونية ّ‬
‫صرفة أو‬
‫ّ‬
‫خلقية نبيلة ومطلوبة‪ .‬وعلى أية حال فإن مبادئ‬
‫واجب قانوني ُملزم ال باعتبارها قاعدة دينية أو قيمة‬
‫القانون الطبيعي القائمة على أسس العدالة املتطورة واملرنة –التي تدخل في ُمكونات كل قانون‪ -‬هي‬
‫املصدر األساس ي أو املعيار الذي يتم االلتجاء أو اإلشارة إليه عند تحديد نطاق قواعد النظام العام‬
‫الدولي‪ ،‬ذلك الذي يتجاوز الحدود القانونية والثقافية اإلقليمية‪ .‬وبحيث يعد املساس الفاضح ملفهوم‬
‫العدالة ‪-‬في حاالت بذواتها‪ -‬ظلما جسيما غير مغتفر‪ ،‬ومن ثم ينبغي استبعاد العمل أو الفعل أو التصرف‬

‫ُ‬
‫القانوني أو الحكم املنطوي عليه وإهداره‪ ،‬فالعدل يحظى بأسبقية وسمو على غيره‪ ،‬فله دائما مركز‬
‫الصدارة‪ .‬قيل‪ ،‬في زمن فات‪ ،‬إن العدل ذاته هو املحرك "الثابت" للتشريعات الوضعية املتغيرة‪ّ .‬‬
‫وقيل‬
‫أيضا‪ ،‬إن غريزة اإلحساس بالعدل ‪-‬مفتاح ارتقاء الدول‪ -‬تجعل الجمهور حريصا على فكرة أو مظهر‬
‫العدالة والجهر بها حتى في مهازل املسرح‪.‬‬
‫‪ -10‬بالعودة إلى حكم التحكيم‪ ،‬فاألمر البارز فيه– يقفز إلى العين ‪-‬يتمثل في ضخامة مبالغ التعويض‬
‫املحكوم بها‪ ،‬نحو مليار دوالر أمريكي‪ .‬بالنظر إلى الصورة الكلية أو اإلطار العام للنزاع التحكيمي ومظاهره‬
‫وعناصره الواقعية‪ ،‬فإنه يمكن وصف هذا التعويض بكونه تعويضا عاصفا غير مبرر باملرة‪ ،‬مخالف‬
‫لطبيعة األشياء‪ ،‬ما كان في الوسع توقعه عقال وقانونا‪ ،‬فقد انبنى التعويض على معطيات نظرية‬
‫وتصورات مجردة‪ ،‬بال واقع يسنده ‪.‬بداية تكتفي املحكمة في هذه الفقرة بأن تشير إلى ما سجله حكم‬
‫التحكيم نفسه‪ ،‬فالكتاب املؤرخ ‪ 2012/8/23‬املعتبر كخحيفة دعوى التحكيم أو مفتاحها والصادر عن‬
‫املحامي الوكيل عن شركة الخرافي املحتكمة (األستاذ‪ ،)…/‬فقد ذكر فيه أنه سبق لشركته أن عرضت‬
‫على هيئة التمليك واالستثمار الليبية عدة خيارات‪ ،‬من بينها‪.. " :‬أن تدفع ‪-‬تلك الهيئة‪ -‬للشركة خمسة‬
‫ماليين دوالر أمريكي وهو ما يمثل فقط جزء من خسائرها وتنتهي العالقة بين الطرفين"‪ ،‬هذا هو مقدار‬
‫التعويض الذي ارتضت به املحتكمة بداية‪ ،‬مبلغ خمسة ماليين دوالر‪ ،‬أو ما يزيد عنه قليال‪ .‬ثم أخذ‬
‫التعويض يمتد ويتصاعد في تالحق دراماتيكي‪ ،‬فخالل دعوى التحكيم عادت الشركة ورفعت مقداره‬
‫أكثر من مرة‪ ،‬بداية من ‪ 55‬مليون دوالر لتصل إلى حوالي مليار و‪ 144‬مليون دوالر ولتستقر في طلباتها‬
‫الختامية إلى طلب ما يزيد على مليارين و‪ 55‬مليون دوالر تعويضا لها عن إنهاء املشروع املعطوب‪ .‬هذا‬
‫السلوك الصادر عن املحتكمة ‪ -‬بإشاراته املوحية التي تستدعى االنتباه بشدة ‪-‬يعد فعال يشبه السخف‬
‫بل هو السخف ذاته ‪.‬ومع ذلك‪ ،‬فقد ساير حكم التحكيم سخف املحتكمة وانقاد إليه وتعامل معه‬
‫ُ‬
‫بجدية –وبمنطق عاجز وحجج واهية سقيمة‪ -‬فصار لذلك حكما سخيفا عبثيا‪ ،‬يتسم بالقسوة املفرطة‪،‬‬
‫يؤذي العقل والقانون ومدلول العدالة واإلنصاف‪ ،‬جميعا‪.‬‬
‫‪ -11‬واألمر الذي يستوقف النظر بشكل الفت‪ ،‬أن هيئة التحكيم ذكرت في سياق حكمها ‪ -‬بحماس وبغير‬
‫تردد وال حرج ‪ -‬أن قناعتها الشخصية وسلطتها التقديرية تذهب بها (رأي األغلبية) إلى أن قيمة ُمعدل‬
‫ُ‬
‫الخسارة التي لحقت بالشركة املحتكمة من جراء " ‪..‬الفرص الضائعة واألكيدة واملحققة" ‪-‬بسبب‬
‫اإلطاحة باملشروع املوعود‪ -‬هو مبلغ يجاوز املليارين من الدوالرات‪ ،‬وهو أكثر مما طالبت به املحتكمة‪.‬‬
‫هذا هو جماع عقيدتها‪ ،‬ولكنها (األغلبية) لم تتردد في استعمال الرأفة‪ ،‬وذلك بعد استماعها إلى مرافعة‬
‫املحامي القدير (األستاذ الدكتور‪ )… /‬الحاضر عن الطرف الليبي "‪ …‬الدولة الفتية التي عادت بقوة بعد‬

‫الثورة"‪ ،‬هكذا تحدث الحكم ‪.‬مع الرحمة التي هي فوق العدل‪ ،‬استعملت هيئة التحكيم سلطتها‬
‫التقديرية فنزلت بالتعويض عن عنصر الكسب الفائت وحده ليصير فقط تسعمائة مليون دوالر‬
‫ُ‬
‫(وفوائده) ‪.‬هذا هو إذن لب وصميم الحكم املطعون فيه‪.‬‬
‫‪ -12‬بحسب ما ساقه حكم التحكيم من ُمقدمات وتعليالت‪ ،‬سوف يأتي ذكرها الحقا‪ ،‬يظهر ‪-‬بإحساس‬
‫قانوني ُيصعب تجاهله‪ -‬أن تقدير الحكم للتعويض السالف الذكر يتسم بالتعسف والغلظة واإلسراف‬
‫الشديد في مداه‪ ،‬يخرج عن حدود كل معقول‪ ،‬ويشكل انتهاكا ظاهرا وخطيرا لجوهر مبدأ التكافؤ أو‬
‫ُ‬
‫التناسب بين مقدار التعويض وبين الضرر‪ ،‬مهدرا بذلك وبصورة تحكمية‪ ،‬الحقوق واملركز القانونية‬
‫ُ‬
‫املتصلة بالدعوى التحكيمية بما يمثل إخالال بالضمانات املشروعة –حقا وعقال‪ُ -‬‬
‫للمحاكمة املنصفة‬
‫العادلة‪ .‬فقد أفرغ الحكم قاعدة التناسب هذه وجردها من مضمونها الهادف إلى تحقيق العدالة ‪-‬ولو‬
‫في حدودها الدنيا‪ -‬ال إلى الحرمان منها‪ .‬بوضوح‪ ،‬وبشكل تعسفي أيضا‪ ،‬فقد مسخ الحكم مضمون الحق‬
‫ُ‬
‫في التعويض في أصله ومحتواه وحقيقة مرماه‪ ،‬فتجاوز نطاقه ومتطلباته ومقاصده وخواصه املنصفة‬
‫ُ‬
‫املالئمة‪ ،‬ففقد التعويض مقوماته ومغزاه‪ ،‬وبالتالي يصير من الظلم احترام الحكم الذي قرر تعويضا‬
‫ُمعيبا هكذا شأنه‪ ،‬أو حماية آثاره‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪ -13‬من القواعد التي تقوم عليها القوانين‪ ،‬إنه من املتعين أن يكون التعويض جابرا –بقدر اإلمكان أو‬
‫املستطاع‪ -‬لكل ضرر أصاب املضرور (الدائن بااللتزام) بحيث يشمل ما لحقه من خسارة وما فاته من‬
‫كسب‪ ،‬بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بااللتزام (أو فعل الخطأ)‪ .‬هذا ولئن كان يجوز‬
‫للمضرور املطالبة بالتعويض عن ضرر مادي مستقبل محقق الوقوع‪ ،‬فإنه يوجد كذلك ما ُيعرف‬
‫بالتعويض عن تفويت الفرصة في الكسب أو املنفعة أو الربح‪ ،‬الذي هو في حقيقة أمره تعويض عن‬
‫ضرر مادي مستقبل ال يوجد ما يمنع من النظر فيه وحسابه كعنصر من عناصر التعويض املحكوم به‪.‬‬
‫ويقال في ذلك إن الحرمان من الفرصة حتى فواتها هو ضرر ُمحقق ولو كانت اإلفادة منها أمرا محتمال‪.‬‬
‫بعبارة أخرى‪ ،‬فإذا كانت فرصة الكسب أو الفوز أمرا محتمال‪ ،‬فإن "تفويتها" على املضرور هو أمر (أو‬
‫ضرر) ُمحقق قد يقتض ي الحكم له بالتعويض‪ .‬هنا ينصب التعويض عن "تفويت" فرصة الكسب وليس‬
‫ُ‬
‫عن الكسب أو الضرر املستقبلي املؤكد تحققه‪ .‬فهذه" الفرصة" هي فقط القدر املوكد من الضرر الناتج‬
‫ُ‬
‫عن فوات الفرصة‪ ،‬بحيث يراعى في تقديره ‪-‬كأحد أوجه الخسارة‪ُ -‬مجمل األوضاع التي ترجح إلى أي حد‬
‫كان االحتمال في الكسب أو فرصة النجاح والربح املحتمل (غير املؤكد) كبيرا أو صغيرا أو تافها هزيال أو‬
‫غير موجود باملرة‪.‬‬

‫ُ‬
‫‪ -14‬اتصاال بذلك‪ ،‬فمن األهمية بمكان‪ ،‬عدم الخلط بين التعويض عن الضرر املباشر املحقق الوجود‬
‫ُ‬
‫في املستقبل وبين التعويض املالي عن ما ُيسمى بالكسب الفائت املحتمل‪ ،‬فهذا األخير ال يكون عن ضرر‬
‫سيقع حتما في املستقبل‪ ،‬بل إنه ينبني عن فوات فرصة وقوعه‪ ،‬فهناك فرق جوهري بين التعويضين‪،‬‬
‫فهما أمران مختلفان‪ ،‬ولكل منهما نطاقه وضوابطه الحاكمة‪ .‬فالكسب الفائت الناتج عن فوات‬
‫الفرصة‪ ،‬ليس ضررا مؤكدا أو أمرا محتوما‪ ،‬بل إنه مقرر فقط‪ ،‬عن تفويت" األمل" في الربح‪ ،‬وباعتباره‬
‫عوضا عن ضياع األمل في الكسب لذلك يتعين دائما األخذ في تقدير التعويض عنه جانب‬
‫ُ‬
‫الحيطة ‪.‬فاألمل في احتمال النجاح هو وحده القدر املحقق من الضرر عن الربح الفائت‪ ،‬ال أكثر وال أقل‪.‬‬
‫ومن املنطقي والحال هذه‪ ،‬فإنه يجب للحكم بالتعويض عن فوات الفرصة وجود مبررات واقعية ودالئل‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫كافية تبرزه وترجح احتماله‪ ،‬أي أن يكون التعويض عنه قائما على أسباب ودعامات معقولة‪ ،‬كاشفة‬
‫وظاهرة ال يمكن إنكارها‪ .‬فهذا النوع من التعويض ال يقوم ‪-‬وبالتالي ال ُيحكم به‪ -‬على مجرد أحالم خضراء‬
‫ورؤى وتطلعات ُمرسلة‪ ،‬أو أوهام ُمتخيلة‪ ،‬فهذه ال ُيعوض عنها‪.‬‬
‫‪ -15‬في ظهور فاضح ‪ ،‬خالف حكم التحكيم النظر القانوني املتقدم‪ ،‬فقام بتقدير التعويض عن الكسب‬
‫الفائت ‪-‬الذي يمثل العمود الفقري من جسم الحكم وعصبه‪ -‬ال بحسبانه تعويضا احتماليا عن ضياع‬
‫األمل في فرصة الكسب وإنما باعتباره تعويضا أكيدا عن ضرر فعلي كان سيقع حتما في املستقبل‪.‬‬
‫هذه املخالفة الخطيرة للقانون‪ ،‬فهمه وتأويله وتطبيقه‪ ،‬قادت الحكم وجرته إلى مزالق ال قاع لها‪ ،‬إذ‬
‫أدت به إلى الوقوع في شطط ‪-‬يشبه الفوض ى ‪-‬ال يمكن قبوله‪ ،‬بحيث تمتد إليه بالضرورة ‪-‬كمالذ أخير‪-‬‬
‫الرقابة القضائية‪ ،‬رقابة البطالن‪ .‬فاملبلغ املحكوم به للمحتكمة عن الكسب الفائت‪ ،‬على ضوء ما‬
‫أحاط النزاع من ظروف ُمالبسة‪ ،‬يعد بكل مقياس قانوني عدلي تعويضا ظاملا ظلما صارخا مبالغا فيه‬
‫على نحو مفرط‪ ،‬اصطناعي‪ ،‬غير منضبط أو متوازن ّ‬
‫باملرة ‪.‬فعالقة العلة باملعلول التي هي دعامة كل‬
‫تعويض‪ ،‬كانت منتفية‪ ،‬فالضرر املحكوم بالتعويض من أجله كان متوهما‪ ،‬منتحال‪ ،‬مجردا بغير واقع‪،‬‬
‫فانحل عدوانا على الحقوق املتنازع بخصوصها حول املشروع املعطوب‪ .‬بحسب األصول القانونية‬
‫املحسومة في النطاق الدولي وبشكل عام‪ ،‬فإنه يجوز إبطال حكم التحكيم‪ ،‬أو عدم تنفيذه عند‬
‫االقتضاء‪ ،‬وذلك إذا كان معيبا بعيب الغش واالحتيال أو في الحاالت التي يثبت فيها مخالفة هيئة‬
‫التحكيم ألبسط مفهوم من مفاهيم العدالة املستقرة‪ ،‬املعايير الدنيا لإلنصاف‪ ،‬موضوعية كانت أم‬
‫إجرائية‪.‬‬
‫‪ -16‬من أجل صون الحقوق وحمايتها‪ ،‬وبحسب حقائق الطبيعة‪ ،‬فهناك دوما لوازم منطقية وضابطة‪،‬‬
‫متصلة ومرهونة بيقظة العقل اإلنساني‪ ،‬قواعد عقلية عدلية‪ ،‬موجهات عليا (معايير إنسانية إيجابية‬

‫ومشتركة) ال يجوز تغييبها أو استبعادها أو مراوغتها‪ ،‬فهي ال تهيم أو تعمل في فراغ كقوالب صماء‪ ،‬بل‬
‫إنها في حقيقة األمر جوهر ُحكم القانون‪ ،‬تملك طابعها الواقعي الحيوي ألنها تتصل اتصاال وثيقا‬
‫ومستمرا بسياق الواقع القانوني الذي ال خفاء فيه‪ ،‬متداخلة فيه ومتفاعلة معه‪ .‬بحسب منطق الواقع‬
‫ُ‬
‫املطروح وقوة الظروف املحيطة والكاشفة‪ ،‬وموجبات اإلنصاف‪ ،‬فإن الكثير من هذه اللوازم العقلية‬
‫ُ‬
‫كانت غائبة عن الحكم املطعون فيه‪ .‬انطوى حكم التعويض على غلو وإفراط شديدين‪ ،‬غلو يأباه العقل‬
‫وإفراط ال يقره قانون‪ ،‬بما هدد كيانه‪ ،‬فالعدل فيه كان مفقودا على نحو صارخ‪ ،‬فصار لذلك مسكونا‬
‫بالبطالن‪.‬‬
‫‪ -17‬ومن القواعد الراسخة‪ ،‬إنه ال يسمح ألي شاهد أو خبير أن يعطي رأيه في استنتاجات قانونية أو أن‬
‫يحدد قانون الدعوى‪ ،‬فإنه ليس من العسير على املحكمة أدراك أن تحديد قيمة التعويض عن الكسب‬
‫ُ‬
‫الفائت قد أقيم وترتب على أساس فاسد‪ ،‬استمدته هيئة التحكيم (األغلبية) من تقارير خبرة حسابية‬
‫صادرة عن عدة مكاتب مالية ارتكزت في تحصيل نتائجها على معلومات وبيانات ورقية ُمعدة ومجهزة‬
‫سلفا ُمقدمة إليها من جانب املحتكمة وحدها‪ ،‬مخحوبة بأماني طموحة طيبة‪ .‬تقارير بغير جذور‪،‬‬
‫منفصلة عن الواقع والقانون‪ ،‬مرسومة بأقالم في لوحة فارغة‪ .‬مجرد حسابات معيارية ورسوم بيانية‬
‫ونبع نقدي متدفق وأرباح تتوالد وتتعاظم طوال مدة االمتياز االستثماري (عقودا بعد عقود من السنين‪،‬‬
‫وماليين وراءها ماليين من الدوالرات) وذلك باعتبار أن هذه األرباح أضرارا مباشرة (صافي أرباح مستقبلية‬
‫محققة الوقوع "ككسب الفائت")‪ .‬أرقام خبرة مبنية على فرض جدلي "متوهم" بوجود املشروع السياحي‬
‫املتفق عليه‪ ،‬قائما ومتكامال وجاذبا بالفعل للزبائن‪ ،‬كائنا مزدهرا نابضا بالحياة أو أنه ثمرة خصبة‬
‫ُمكتملة النمو ُتستغل ُ‬
‫ومولدة ألرباح متتالية‪ ،‬وباعتقاد أن هذه األرباح "املتوهمة أو الزائفة" تمثل‬
‫تعويضا مستحقا عن ضرر مستقبلي محقق الوقوع‪ ،‬كان سيقع حتما‪.‬‬
‫‪ -18‬األمر الذي يمكن إدراكه بيسر‪ ،‬أن هيئة التحكيم اتكأت على عالم من األرقام والنتائج التجريدية ‪-‬‬
‫ُمستنبطة من أوراق صماء ‪ -‬دون نظر في تحصيل الواقع املادي املؤدي إليها والتثبت قانونا من صحته‪،‬‬
‫فقد أعتمد الحكم على نتائج خبرة تناقض املنطق العادي للشخص العاقل العادي‪ ،‬فهناك فرقا بين‬
‫ُ‬
‫املجرد األصم وبين الواقع الحي امللموس والفعال الذي ال يمكن تجاهله‪ .‬واملحكم‪ ،‬مثله هنا مثل‬
‫القاض ي‪ُ ،‬ملزم بفهم الواقع املادي للدعوى التحكيمية فهما قانونيا‪ ،‬وذلك بحسبان أن الواقع ال يتصور‬
‫إال مختلطا بالقانون‪ ،‬غير منفك عنه‪ .‬انساق حكم التحكيم وأستند‪ ،‬دون بصيرة وفي خرق جسيم‬
‫للقانون وتشويه واضح للواقع‪ ،‬إلى قوالب نظرية معيارية وأرقام ربحية تولدت عن افتراضات ُ‬
‫ومقدمات‬

‫غير صحيحة‪ ،‬خاطئة غير صادقة‪ ،‬مؤسسة على ظن أو افتراض ُمصطنع قوامه أن مشروع النزاع حي‬
‫يتنفس ويالقي رواجا‪ّ ،‬‬
‫ويدر ربحا متدفقا يتعين حمايته وتأمينه وتوكيده‪ ،‬ومن ثم الحكم به‪.‬‬
‫‪ -19‬وذلك في حين يؤكد الحكم نفسه‪ ،‬في أسبابه وتحليالته‪ ،‬أن املشروع املأزوم لم يبدأ تنفيذ أي من‬
‫خطواته الرئيسية‪ ،‬بل اقتصر فقط على مجرد تحضيرات وتصورات بال دفع أو حركة‪ ،‬فظل عقد‬
‫االستثمار سلبيا محضا‪ ،‬بال جسد مادي‪ ،‬وال روح‪ .‬بمالبسات سياق الواقع الظاهر‪ ،‬فمشروع النزاع ظل‬
‫مجرد أرض قلقة مضطربة (قانونيا وواقعيا) بال تسليم هادئ أو تراخيص أو تمويل مالي يذكر‪ ،‬وحالة‬
‫أشبه بالسكون ال أكثر‪ .‬يكاد يكون مشروعا ورقيا إال قليال‪ُ ،‬معاقا خامدا بال إشعاع أو بريق أو ّ‬
‫صيت‪.‬‬
‫قطعة أرض مقفرة ال تدر زرعا أو عائدا أو ربحا‪ ،‬ومتنازع حولها‪ ،‬مع سلسلة متصلة من العقبات‬
‫ّ‬
‫ومعادة ُ‬
‫عليلة ُ‬
‫ومملة‪،‬‬
‫والعوائق والشكاوى واالعتراضات واالجتماعات واملساعي املتبادلة‪ ،‬ومحاوالت ودية‬
‫هكذا جرت األمور‪ ،‬بحيث يمكن اعتبار أن املشروع ومنذ بدايته كان مخنوقا‪ ،‬عقيما‪ ،‬خائبا‪ ،‬غير مرحب‬
‫به أصال‪ .‬فللربح معطيات‪ ،‬وأدوات مادية‪ ،‬ومرتكزات علمية‪ ،‬ومحيط مناخ استثماري ثابت وصحي‬
‫ومعتدل‪ ،‬ال سبيل لفصلها عنه (الربح)‪.‬‬
‫‪ -20‬ومن اإلشارات املتوفرة للكافة واملعلومة بالضرورة والتي تكشف عن نفسها بغير حاجة إلى جهد‬
‫عقلي مميز‪ ،‬فاالستثمار موضوع التحكيم انصب على نشاط سياحي طويل األمد في بلد انفرط عقده‪،‬‬
‫معزول ومشتبك ُ‬
‫ومرهق‪ ،‬غير جاذب للسياحة في األصل‪ ،‬مقطوع األوصال ال ُيعرف ما سيكون عليه‬
‫ُ‬
‫مصيره وما ستؤول إليه أوضاعه املعقدة‪ .‬هذه املخاطر املصاحبة للواقع والقانون تؤدي عقال ووفقا‬
‫لطبيعة األشياء إلى اختناق كل استثمار سياحي وجعله عديم الجدوى‪ ،‬بغير عافية أو أمل في جني أي‬
‫ربح‪ .‬هذه الحقائق الواضحة –بالغة األهمية‪ -‬ال يمكن إغفالها وال سبيل إلى توقيها في املستقبل املنظور‪،‬‬
‫سواء بالنسبة لطبيعتها أو مداها‪ .‬وعلى الرغم من سعة مدوناته وتفصيالته املتكررة بإفراط‪ ،‬فقد أهمل‬
‫حكم التحكيم هذه الشواهد الظاهرة ‪-‬مع تزامنها وصدوره‪ -‬إهماال تاما رغم ارتباطها ارتباطا منطقيا‬
‫ومباشرا بالحل الذي أعتمده الحكم‪ ،‬فال يتصور قيام هذا الحل إال بها‪ ،‬أي بوجوب مراعاتها‪ ،‬هذا ما‬
‫تمليه بالضرورة قواعد القانون ومقتضيات العقل‪ .‬وبجملة واحدة‪ :‬بحسب الظروف الظاهرة‪ ،‬فليس‬
‫غريبا القول بأن الشركة املحتكمة نجت بالفعل من شر "ضرر" ُمحيق‪ ،‬وأفلتت ‪-‬دون قصد منها‪ -‬من‬
‫شباكه‪ .‬فالحقائق تصنع واقع الحياة‪ ،‬ولو كانت سياحية استثمارية‪.‬‬
‫‪ -21‬ومما هو واضح أيضا‪ ،‬فعلى الرغم من املحاوالت الدائبة التي سعت إليها املحتكمة من أجل البدء‬
‫في تنفيذ‬

‫املشروع املوعود‪ ،‬فقد انكفأ املشروع دون إنماء وتاه بال أمل‪ ،‬بسبب اصطدامه بواقع ليبي ُمعاكس‪،‬‬
‫بيروقراطية ثقيلة أو قلة تبصر أو عناد أو فساد أو شلل إداري‪ ،‬أيا كان من األمر فقد ضاع املشروع وتعثر‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫الصرفة التي‬
‫وأحبط في مهده‪ .‬ومعنى هذا ببساطة أن القواعد واملعايير ونتائج الكراسات الحسابية‬
‫تضمنتها تقارير الخبرة‪ ،‬تلك املتصلة بالضرر االقتصادي الناتج عن الكسب الفائت‪ ،‬ال يمكن أن تعني‬
‫شيئا في الواقع القانوني املطروح‪.‬‬
‫ومع ذلك وبغير يقظة ‪ -‬وبفهم سطحي إلى حد معيب‪ -‬عولت هيئة التحكيم على هذه األرقام ‪-‬موطئا‬
‫وسندا لحكمها‪ -‬رغم إنها مبنية على تكهنات فرضية‪ ،‬تجريدات تخمينية خادعة تناقض الظروف التي‬
‫رافقت املشروع والبسته‪ ،‬مجرد طبل أجوف ال معنى له‪ .‬أذعن الحكم إلى نتائج عشوائية غير ُمعللة‬
‫قانونا وعقال‪ ،‬تخرج بالتأكيد عن املفهوم الخحيح ملعنى الضرر أو الربح الناش ئ عن فوات الفرصة‪،‬‬
‫هدم الحكم بغير تحفظ أو احتياط معنى فكرة التعويض‪ ،‬مقصده وغايته‪ ،‬فتمخض عقابا قاسيا‪،‬‬
‫مخالفا لطبيعة األشياء‪ .‬في هذه الحال يمكن وصف الحكم بالتعويض عن الكسب الفائت بحسبانه‬
‫مظهرا ماديا ال غير‪ ،‬سخفا ال معنى له‪ ،‬ليس له من ّ‬
‫الدب غير جلده‪ ،‬إن صح القول‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪ -22‬هذه األمور الواقعية السابق ذكرها‪ ،‬املوحية بصورة الفتة قوية‪ ،‬تعدها املحكمة نقطة حيوية‪،‬‬
‫حاكمة وفاصلة‪ ،‬بالغة األهمية بصدد اعتبار التعويض املحكوم به كتعويض عن الكسب الفائت قد‬
‫جاوز حدود املعقول واألغراض املقصودة منه‪ ،‬ليصير تعويضا جائرا ظاملا‪ ،‬سيئا وعاصفا ومزعجا‪،‬‬
‫مجردا من كل مقومات وجوده‪ ،‬مهدرا في ذاته املقاصد القانونية ألطراف التحكيم‪ ،‬وما يتصل بها‪،‬‬
‫بسبب إخالله بضمانات األمان القانوني الذي هو غاية يستهدفها ويكفلها كل مشرع‪ .‬هذا التجاوز‬
‫الجائر‪ ،‬كان مؤثرا في بنيان حكم التحكيم بأكمله ومتصال بمنطوقه اتصاال حتميا‪ ،‬يمكن إدراكه بسهولة‬
‫بمجرد قراءة مدوناته بعناية‪ ،‬بغير حاجة إلى تدقيق أو بحث واقعي ُمتعمق‪ ،‬ودون ُعسر أو تمحيص‪ .‬وإذ‬
‫استبان للمحكمة أن التعويض املحكوم به كان ّبينا فاحشا ال يجوز التسامح بشأنه‪ ،‬فإن رد الحكم‬
‫املطعون فيه يصير متعينا‪ .‬فال يجوز أن يتمتع الحكم الذي أتى بتعويض كهذا بحماية ما‪.‬‬
‫ّ‬
‫الشدة‪،‬‬
‫‪ -23‬فال حصانة لكل ُسلطة طليقة تحكمية‪ -‬ترمي شباكها حيث تشاء وترغب‪ -‬أو ُمفرطة في‬
‫بخاصة عندما تتمخض شططا مجافيا ملفهوم العدالة وحدودها املنطقية‪ ،‬إذ ال يخح ‪-‬تحت ستار‬
‫السلطة التقديرية أو تمسحا بها‪ -‬خرق القيم العدلية أو فصل األصول القانونية عن األغراض املقصودة‬
‫منها أو اقتحام بنيانها والحدود املنظمة لها‪ .‬من الجلي إذن‪ ،‬أن هيئة التحكيم فشلت في أداء الواجب‬
‫الذي يقع على عاتقها بمراعاة األصول القانونية واألطر العقلية الثابتة‪ ،‬ومسخت قواعد قانونية‬
‫جوهرية كانت مؤثرة في حكمها‪ ،‬ولم تلتزم بحدود القيود والضمانات الحيوية التي تقتضيها تبعات‬

‫ُ‬
‫ُ‬
‫ومستلزمات املهمة التحكيمية املوكولة إليها‪ ،‬تلك التي ال يستقيم بدونها الحق في املحاكمة املنصفة‪ ،‬وال‬
‫يكتمل ويصان إال باحترامها‪ .‬وعلى ذلك يكون حكمها املطعون‬
‫فيه موصوما‪-‬بقوة‪ -‬باالنحراف في استعمال السلطة "التحكيمية"‪ ،‬وبتجاوزها‪.‬‬
‫‪ -24‬وتجدر اإلشارة هنا إلى إنه عند الكالم عن عناصر الضرر‪ ،‬يعرض علماء القانون املثال التالي‪ :‬إذا‬
‫ُدفعت‬
‫امرأة حامل‪ ،‬فإن سقوطها قد يؤدي إلى إصابتها بأضرار تستحق التعويض عنها‪ ،‬ولكن ال يدخل في‬
‫حساب هذه األضرار احتمال إجهاضها مادام ذلك لم يحدث فعال‪ .‬ويأمر كل نظام قانوني‪ ،‬في حال الحكم‬
‫ُ‬
‫بالتعويض‪ ،‬بعدم إغفال املالبسات الظاهرة والحقائق الواضحة‪ ،‬فال يجوز استبعادها أو تهميشها‪،‬‬
‫سواء تعلقت بالزمان أو املكان‪ ،‬وذلك بحسبانها كاشفة لواقع الحال ُ‬
‫ومكملة بالضرورة له‪ ،‬وباعتبار أن‬
‫قوانين السوق ‪-‬ومخاطره‪ -‬تأمر وتطاع‪ ،‬فمقدار التعويض ال يقوم غير بها وال ينهض إال مستويا عليها‪ .‬كما‬
‫أنه من غير املنطقي التعويض عن ضرر غير موجود أو غير ثابت‪ ،‬ألنه ليس عقوبة أو جزاء "مدني" توقع‬
‫أو يوقع على املتعاقد املخالف‪ ،‬بل هو في أساسه وأصله أداة لجبر الضرر وسبيل إلى إقامة التوازن بين‬
‫املصالح املشروعة لألطراف املعنية باألمر في خصوصية النزاع املعني ذاته‪ ،‬وليست أي مصالح أخرى‪.‬‬
‫‪ -25‬ومع أن كل ُمطلق هو مطلق بمقدار‪ ،‬فقد تصرفت هيئة التحكيم باعتبار أن حكمها مبرما‪ ،‬قوال‬
‫فاصال ال يقبل تعقيبا‪ ،‬كأنه قدرا محتوما معصوما من كل رقابة‪ .‬لذلك‪ ،‬جاء حكمها‪ ،‬وعلى نحو ّ‬
‫جلي‬
‫وفاضح يكشف عن نفسه‪ُ ،… ،‬مفرطا فجا‪ ،‬وظاملا إلى حدود تجعله خارجا على القيود العدلية‬
‫واملوجبات العقلية املنطقية‪ ،‬على اختالفها‪ ،‬تعسفيا‪ ،‬تمييزيا ‪ ،‬ويشكل بذلك انتهاكا واضحا وخطيرا‬
‫للمبادئ القانونية األساسية‪ .‬وعليه‪ ،‬فمن غير الجائز أن ينش ىء حكم هو ذاك‪ ،‬رغم وجوده املادي‪،‬‬
‫حقوقا أو يرتب التزامات‪ ،‬ومن غير املقبول أيضا أن يحاج به أو ُيمنح حصانة ما‪ .‬وعلى ذلك‪ ،‬وإذعانا‬
‫لقواعد النظام العام‪ ،‬الهامة والجوهرية واملؤثرة‪ ،‬وصونا وتثبيتا لها‪ ،‬يصير بطالن الحكم‪ ،‬برمته‪ ،‬نتيجة‬
‫ُ‬
‫لشططه املفرط‪ ،‬ولكل ما تقدم بيانه من أسباب‪ ،‬أمرا محتوما‪ ،‬ولذلك تقض ي املحكمة ببطالنه‪.‬‬
‫‪ -26‬بقي على املحكمة التقرير بأن شركة س‪.‬أر‪ .‬للتمويل ))‪ FINANCIERE CER‬لم تكن طرفا في دعوى‬
‫التحكيم املطعون في حكمها‪ ،‬لذلك تقض ي املحكمة بعدم قبول تدخلها في دعوى البطالن املاثلة‪ ،‬وتلزمها‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫بمصاريف وأتعاب طلب التدخل‪ .‬وتضيف املحكمة أن هذه الفقرة تكمل منطوق الحكم وتكون معه‬
‫وحدة واحدة‪ ،‬بحيث ال ينفصالن ‪.‬‬

‫فله ــذه األس ــباب‪:‬‬
‫حكمت املحكمة ببطالن حكم التحكيم املطعون فيه الصادر في مصر " القاهرة " بتاريخ‬‫‪2013/3/22‬م‪ ،‬وإلزام الشركة املدعى عليها املصاريف القضائية ومبلغ مئة جنيه كمقابل‬
‫ألتعاب املحاماة‪.‬‬
‫القضاة‪ :‬أمير مصطفى ‪ ،‬أشرف عطوة ‪ ،‬إسماعيل إبراهيم الزيادي‪ .‬كاتب الجلسة‪ /‬أيمن‬
‫شلبي‬‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Translate »