محكمة استئناف القاهرة ـ الدائرة التجارية األولى (السابعة سابقا)
جلسة 3يونيه 2020م
الحكم في الدعوى رقم 39لسنة 130قضائية ،تحكيم
ـ ـ ـ دعوى بطالن حكم تحكيم -
خلفية واقع النزاع التحكيمي وحكمه:
أوال :النزاع التحكيمي:
•بحسب الوارد بحكم التحكيم املطعون فيه ،فإنه بناء على قرار وزاري ليبي ،أعقبه مباشرة أبرام عقد
مؤرخ ، 2006/6/8بموجبه عهدت الدولة الليبية إلى الشركة الكويتية محمد عبد املحسن الخرافي إقامة
مشروع استثماري سياحي "مشترك" بناحية شاطئ منطقة تاجوراء ،بشعبة طرابلس الليبية ،وسمى
العقد بأنه عقد إيجار قطعة أرض لغرض إقامة ذلك املشروع وذلك طبقا للقانون الليبي الخاص
بتشجيع رؤوس األموال األجنبية ،وذكر العقد على أن مساحة أرض املشروع تبلغ 24هتكار (240000
متر مربع) مملوكة للدولة الليبية ،وأن قيمته االستثمارية تبلغ 130مليون دوال أمريكي ،على أن يتم
تنفيذه خالل سبع سنوات ونصف سنة ،أما مدة االنتفاع (امتياز شركة الخرافي) فتبلغ تسعون سنة
ُ
تبدأ من تاريخ استالم الشركة ألرض املشروع ،ونص في العقد أيضا على أن تتولى شركة الخرافي مهمة
تمويل إقامة املشروع وتشغيله-فندق خمس نجوم ومركز تجاري خدمي وشقق فندقية ومطاعم و-،…
وأكد العقد على التزام الطرف الليبي بأن يسلم الشركة أرض املشروع خالية من كل الشواغل مع ضمان
خلوها من العوائق املادية والقانونية طيلة مدة االنتفاع االستثماري .ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
•ووفقا ملدونات حكم التحكيم أيضا ،فقد فوجئت الشركة وعقب التعاقد وفي بواكير املشروع بأن
أرضه ُمحملة بالعديد من املشاكل والعوائق املادية والقانونية ،وعجزت األجهزة الليبية عن حل ُمعوقات
أرض التعاقد ،وبدورها عجزت الشركة عن وضع يدها عليها وضعا هادئا ،ومرة بعد مرة طالبت الشركة
الجانب الليبي بتوفير األمن ألعمالها وموظفيها مع ضرورة تجهيز موقع املشروع خاليا توطئة للبدء في
ّ
املعنية) اللقاءات واملكاتبات،
املسار الالزم إلنجاز أعماله .وتبادل الطرفان (الخرافي والجهات الليبية
ودخال معا في سلسلة من الخالفات ،بالجملة فقد وضح للمحتكمة مبكرا أن بداية العمل في املشروع
املشترك بدا أمرا صعبا وجامدا ومعقدا .ـ ـ ـ ـ ـ ـ
•خالل تلك التعقيدات واملتاعب ،اقترحت السلطات املحلية الليبية على الشركة -في شهر يناير -2009
موقعا بديال إلقامة املشروع املشترك ،ورفضت الشركة هذا العرض وصممت في الوقت نفسه على
تفعيل املشروع طبقا لبنوده العقدية وعلى ضرورة قيام الجهات الليبية بتهيئة موقع العقد وإزالة
شواغله ومعوقاته املادية والقانونية ،وضمان وحماية وضع يدها عليه حتى يمكنها من البدء في األعمال
اإلنشائية الالزمة .وبعد العديد من االجتماعات واملراسالت لم يقدر الطرفان على إزالة الصعوبات
املتصلة بأرض املشروع ،وبقيت سلسلة املشاكل ممتدة دون حلول ،حتى انتكس املشروع وتعثر وخبا في
مرقده .ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
•ففي شهر مايو ،2010ودون سابق إنذار ،انتهى أمر العقد (املشروع املوعود) بأن أصدر وزير االقتصاد
الليبي قرارا بإلغاء املوافقة املسبقة املمنوحة لشركة الخرافي بصدد املشروع ،والعدول عنه .وزعمت
الجهات اللبيبة أن إلغاء العقد وسحب ترخيص االستثمار يرجع إلى تراخي الشركة في الوفاء بالتزاماتها
العقدية .ومن ناحيتها اعترضت الشركة على قرار اإللغاء هذا واصفة إياه بالتعسف ،وأضافت بأنها
سعت لدى الجهات الليبية املسؤولة في من أجل إعادة إحياء املشروع ،مشترطة تمكينها من وضع يدها
فعليا على أرضه خالية وإزالة املباني املقامة عليها وضمان تطهيرها من كافة املعوقات واملشاكل ،مادية
كانت أم قانونية ،فحيازتها التامة ألرض املشروع تعد شرطا ضروريا لتنفيذ التعاقد االستثماري ،وأن
الدولة الليبية تضمن عدم تعرضها هي (وتعرض الغير) لها في االنتفاع بأرض املشروع دون عائق .ولم
تفلح الشركة في مسعاها هذا ،إذ أصر الجانب الليبي على موقفه واصفا عقد النزاع بأنه من العقود
اإلدارية ،وكذلك قرار إلغاءه ،وبأن تلكؤ الشركة في التنفيذ هو سبب إفساد املشروع .ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ُ
•زعمت شركة الخرافي بأنها أبرمت العقد من أجل االستثمار على أرض دولة ليبيا -املضيفة لالستثمار-
ُمعتمدة في ذلك على ضمانات وتسهيالت حكومية ليبية وقوانين نافذة تهدف إلى جذب االستثمارات
ُ
العربية والدولية على أرضها ،وأعلنت الشركة أن استثماراتها قد تأثرت وإنها أضيرت ماليا وأدبيا بسبب
سلوك الحكومة الليبية ،ودمغت الشركة هذا السلوك بأنه يمثل انتهاكا للموجبات العقدية ،ويعد في
الوقت نفسه إخالال بالنصوص التشريعية واالتفاقيات الدولية الخاصة باالستثمار العربي واألجنبي
السارية في الدولة الليبية ،التي خلقت أجهزتها املختلفة الكثير من الصعاب واملضايقات التي ترتب عليها
في النهاية إجهاض املشروع املشترك وحالت بذلك دون املض ي في تنفيذه مما حرمها بغير وجه حق من
عوائده االستثمارية املستقبلية .ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
•هذا ،وبحسبان أن عقد النزاع تضمن بندا تحكيميا جرى على إنه في حال نشوء أي نزاع بين الطرفين
يتعلق بتفسير نصوص العقد أو تنفيذه أثناء سريانه يتم تسويته وديا ،وإذا تعذر ذلك يحال النزاع إلى
التحكيم وفقا ألحكام االتفاقية "املُ ّ
وحدة" الستثمار رؤوس األموال العربية في الدول العربية ،تلك
الصادرة عام .1980اعتمادا على هذا البند التحكيمي وباعتبار أن دولتي ليبيا والكويت من دول
االتفاقية ،فقد سعت شركة الخرافي إلى إحالة النزاع إلى التحكيم الخاص باالستثمار العربي الوارد في
هذه االتفاقية "املُ ّ
وحدة" وملحقها الخاص بالتوفيق والتحكيم ،باعتباره نظاما تحكيميا داخال في نطاق
جامعة الدول العربية ويعمل أو يجري تحت إشراف ورعاية أمانتها العامة.
•وفي ظل االتفاقية "املُ ّ
وحدة" وتتبعا ألحكامها ،بادرت شركة الخرافي إلى الحصول على موافقة السيد
األمين العام لجامعة الدول العربية على البدء في اإلجراءات التحكيمية ضد الدولة الليبية وهيئاتها
الحكومية ،وتشكلت هيئة تحكيم (خاصة) من ثالثة أعضاء وأتفق األطراف على تطبيق القوانين الليبية
ُ
على موضوع النزاع بما في ذلك قانون رؤوس األموال األجنبية وتعديالته ،وعلى أن تحصل املحاكمة
التحكيمية طبقا للقواعد اإلجرائية النافذة في مركز القاهرة اإلقليمي للتحكيم التجاري املعروف
بـ) ) ،:CRCICAوفي مقره الكائن بالعاصمة املصرية .وفي الدعوى التحكيمية -التي لم تأخذ أي رقم
بسجالت املركز التحكيمي– قدم كل طرف طلباته وأدلته ودفاعه وحججه ُ
وشروحاته وتفاسيره ووجهات
نظره وتعليقاته.
ـ ـ ـ حكم التحكيم:
بتاريخ 2013/3/22م وفي القاهرة ،صدر حكم التحكيم ملصلحة الشركة الكويتية ،وفيه تناولت هيئة
ُ
التحكيم الكثير من الواقعات والتعليالت واألسباب والنتائج ،ذكرت في الحكم بإسهاب ومعالجات
استطرادية ُمطولة في كل املسائل التي كانت محل نزاع بين أطراف دعوى التحكيم ،واملثار أغلبها كذلك
في دعوى البطالن املطروحة .ومن أبرز ما أورده حكم التحكيم ،وبإيجاز ،ما يلي:
•إنه ال يمكن اعتبار العقد مصدر النزاع (عقد )2006/6/8من العقود اإلدارية ،بل هو من عقود
"البوت" الخاضعة للقواعد القانونية التقليدية املنطبقة على العقود املدنية الخاصة .وإنه وفقا
للمعايير الدولية والليبية ،فالعقد يتضمن مشروعا سياحيا استثماريا ربحيا عربيا (أجنبيا) ،فيسري في
شأنه قواعد القانون الليبي الخاص بتشجيع استثمار رؤوس األموال األجنبية ،وكذلك قواعد االتفاقية
"املُ َ
وحدة" الستثمار رؤوس األموال العربية التي تعد بدورها جزءا ال يتجزأ من التعاقد ،كما ذكر الحكم
أن موافقة ليبيا على التحكيم وفقا لنظام االتفاقية ،ثابتة في ذات العقد .ـ ـ ـ ـ ـ
•أيضا ،اعتبرت هيئة التحكيم أن عقد النزاع يتسم بطابع حكومي ،ومن ثم فقد أجازت االحتجاج
بشرطه أو بنده التحكيمي ضد املحتكم ضدهم :دولة ليبيا ،وزارة االقتصاد الليبية ،الهيئة العامة
لتشجيع االستثمار وشئون الخخخصة (سابقا الهيئة العامة للتمليك واالستثمار) ،مصلحة التنمية
ُ
السياحية ،وأخيرا وزارة املالية في ليبيا التي قبل الحكم إدخالها في دعوى التحكيم كمحتكم ضدها
ُ
(رابعا) لكونها هي امللزمة بصرف املبالغ املستحقة تنفيذا لألحكام القضائية الصادرة ضد الجهات العامة
ُ
املمولة من خزانة الدولة الليبية .قبول هذا اإلدخال قد ينطوي على داللة غير خافية على نحو ما
سيبدو .
•رأت هيئة التحكيم أن املساعي الودية قد ُبذلت من األطراف قبل تقديم طلب التحكيم دون أن تسفر
عن نتيجة توافقية ،فاملستثمر الكويتي "املحتكمة" استنفد طرق الحل الودية قبل اللجوء إلى التحكيم.
أما من ناحية نطاق الشرط التحكيمي ،فقد قررت هيئة التحكيم أن هذا الشرط ينبسط على كافة
املنازعات الناشئة عن العقد االستثماري موضوع النزاع ،وأقرت الهيئة كذلك بصالحيتها واختصاصها
باملهمة التحكيمية املوكولة إليها ،ثم انتقلت بعد ذلك إلى التصدي ملوضوع الدعوى التحكيمية والبت
فيه.
•وتذكر املحكمة هنا ،إنه في نطاق استخالص حكم التحكيم وفهمه واستنباطه للواقع ،فقد ّ
دون في
أسبابه أن الشركة املحتكمة لم يكن بإمكانها استصدار التراخيص املتطلبة أو عمل الرسومات والخرائط
والتصاميم التفصيلية والجدول الزمني للمشروع ،فمرجع ذلك إنها لم تتسلم بالفعل أرضه خالية
ُ
لتنتفع بها االنتفاع املقصود من التعاقد ،كما أن الدولة الليبية املضيفة لالستثمار ُملزمة –وتابعيها -في
كل األحوال بحماية املستثمر األجنبي (العربي) وبأن تصون وتضمن استثماره وعوائده على أراضيها دون
معوقات أو موانع ،لذلك تكون دولة ليبيا هي املسئوولة وحدها عن عدم مباشرة أعمال املشروع
املشترك وتحقيق غاياته التنموية الطموحة.
•وباالستناد إلى استنتاجات واقعية وحجج قانونية ارتأتها ،أضافت هيئة التحكيم أن الطرف الليبي
املحتكم ضده لم يكن على حق في فسخ وسحب مشروع التعاقد ،وأن االستثمار الحاصل من جانب
ّ
املحتكمة (املستثمر الكويتي) ُأ ّ
ّ
تعسفي ،مماثل للتجميد والتصفية والتدابير األخرى التي لها
بشكل
نهى
ّ
ّ
نفس اآلثار ،والتي ّ
املوحدة ،وهو األمر الذي يترتب
تحرمها نصوص القانون الليبي وقواعد االتفاقية
عليه مسؤولية األجهزة الليبية املحتكم ضدها.
ولذلك انتهى حكم التحكيم إلى استحقاق الشركة املحتكمة للتعويض عن األضرار املادية واألدبية
املباشرة التي أصابتها من جراء اإلنهاء غير القانوني للتعاقد ،واستحقاقها كذلك تعويضا عن الربح الذي
ُ
فاتها وحرمت منه ،بحسب عبارات الحكم " …من الفرص الضائعة األكيدة واملحققة" لو كان مشروع
التعاقد قد أكتمل تنفيذه " …" ،صافي أرباح الشركة طوال مدة االستثمار 83 ،سنة فقط" .ـ
•وتبعا لذلك ،فقد تضمن منطوق حكم التحكيم إلزام الجهات املحتكم ضدها ،بالتكافل والتضامن،
بعدد من االلتزامات املالية :أن تدفع إلى شركة الخرافي الكويتية املبالغ اآلتية 30 :مليون دوالر تعويضا
ُ
"امل ّ
تكبدة" 900 ،مليون دوالر تعويضا
عن األضرار األدبية 5 ،مليون دوالر قيمة الخسائر واملصروفات
عن الكسب الفائت ،مليون و 940ألف دوالر رسوم ومصاريف التحكيم ،أي بإجمالي تسعمائة وستة
وثالثين مليون وتسعمائة وأربعين ألف دوالر أمريكي ،إضافة إلى فائدته بمعدل %4سنويا عن إجمالي
املبالغ املحكوم بها ،ورفض باقي األقوال والطلبات األخرى.
•وفي ختام حكمها ،وبشكل الفت ،فقد استندت هيئة التحكيم إلى نص املادة الثامنة الذي ورد في ملحق
االتفاقية "املُ َ
وحدة" لتصف حكمها بأنه حكما نهائيا غير قابل للطعن ،ويكون له قوة النفاذ بحيث
يجري تنفيذه مباشرة كما لو كان حكما نهائيا قابال للتنفيذ دون صيغة تنفيذ ،بذات عبارات هيئة
التحكيم في حكمها " …قرار نهائي معجل التنفيذ ،نافذا على أصله ،صدر بأغلبية األصوات وإنه غير
قابل للمراجعة" ،هكذا تحدث الحكم عن نفسه ،حكم ال رجعة فيه ،غير قابل ألي مراجعة كانت.
مسار دعوى اإلبطال الحاضرة:
إحالة :حيث أن وقائع الدعوى الحاضرة وعناصرها ومستندات الخصوم ودفوعهم ودفاعهم فيها أحاط
بها الحكمان السابق صدورهما من هذه املحكمة في جلسة 2014/2/5وجلسة 2018/8/6وحكمي
محكمة النقض اللذين سيرد ذكرهما ،وتحيل املحكمة إلى مدونات هذه األحكام معتبرة أسبابها ُمكملة
ألسباب هذا الحكم ُ
ومتممة له ،وبالطبع دون أن تتضمن هذه اإلحالة التقديرات والحيثيات والدعامات
والنتائج املتناقضة مع أسباب الحكم الحالي أو املعارضة لعماده .وعلى أية حال ،وبكلمات موجزة وبالقدر
الكافي لحمل املنطوق ،تعرض املحكمة للعناصر األساسية اآلتية :
•باعتبار أن مصر هي دولة مقر التحكيم ،فقد طعن الجانب الليبي على حكم التحكيم أمام هذه املحكمة
بالدعوى الحالية طالبا القضاء ببطالنه .وفي ،2014/2/5واستنادا إلى أن االتفاقية "املُ ّ
وحدة" لم تتكلم
عن أي نظام إجرائي يؤدي إلى إبطال أحكام التحكيم الصادرة في نطاقها وتحت مظلتها ،إذ إنها لم تذكر
مصطلح أو لفظ البطالن هذا ،ال من بعيد أو قريب ،قضت املحكمة بعدم قبول الدعوى ،وجاء بحكمها
تبريرا لقضائها …".أن التحكيم الخاضع لتلك االتفاقية وملحقها يعتبر نظاما قانونيا مستقال بذاته ،ال
عالقة له بأي نظام إجرائي وطني ولو في الدولة التي جرى فيها التحكيم" ،وعلى هذا األساس فحكم
التحكيم املطعون فيه ،بمراعاة نصوص االتفاقية ،يكون دائما نهائيا وملزما ونافذا ،غير قابل للطعن
فيه أمام املحاكم ،ومن ثم فإنه يخرج بحسب طبيعته هذه عن نظام دعاوى البطالن الوارد في قانون
التحكيم املصري رقم 27لسنة .1994
ُ
•طعنت ليبيا بطريق النقض على القضاء السالف الذكر ،وقيد طعنها برقم 6065لسنة 84ق ،وفي
2015/11/14أصدرت محكمة النقض حكمها بنقض الحكم (القاض ي بعدم القبول) ،وورد بعماد
حكمها الناقض ،إنه ولئن كانت االتفاقية املُ ّ
وحدة -بالتحديد ملحقها -قد حظرت الطعن في أحكام
املحكمين الخاضعة لها بطرق الطعن العادية وغير العادية إال أنها لم تمنع صراحة إقامة دعوى بطالن
أصيلة في شأنها ،فدعوى البطالن املقررة ألحكام التحكيم ال تعد طريقا من طرق الطعن بدرجاته
املتعارف عليها في قانون املرافعات القضائية ،بل هي دعوى أصيلة مبتدأة تعد أداة قضائية (استثنائية
وخاصة ومتميزة) لرد حكم التحكيم الذي أصابه ّ
عوار في مقوماته األساسية مما يستوجب زواله ومنعه
من إنفاذ آثاره.
•بمعنى أن كل حكم تحكيم جرى في مصر يخضع دائما ،ولو كان دوليا ،لنظام دعاوى البطالن وحاالتها
وأسبابها ذات الطبيعة اإلجرائية الواردة في قانون التحكيم املصري ،والتي تهدف -في األساس وبخالف
الطعون القضائية العادية -إلى ُمعاقبة أو ُمالحقة املخالفات الخطيرة الظاهرة في حكم التحكيم املتمسك
ببطالنه ،وبالتالي وبحسب حكم النقض تكون دعوى البطالن القائمة مقبولة شكال ،ويتعين على محكمة
البطالن لذلك أن تتحقق وتبت في املخالفات املثارة أو املنسوبة لحكم التحكيم وأن تأتي بجواب صريح
فيها .وعليه أحال الحكم الناقض القضية إلى هذه املحكمة (كمحكمة بطالن) للفصل في موضوعها -
بدائرة أخرى -وفقا لقانون التحكيم املصري باعتباره الشريعة التحكيمية العامة لكل تحكيم يجري في
مصر.
•وبجلسة 2018/8/6أصدرت الدائرة األخرى (الدائرة 62بتشكيل مغاير) حكمها القاض ي بعدم
اختصاصها دوليا بنظر دعوى البطالن املطروحة ،وفيه صرحت إنها بنت حكمها (الجديد) على فهم
جديد لواقع الدعوى وأساس قانوني مغاير لفهم وأساس الحكم األول (حكم 2014/2/5املنقوض).
وأقام الحكم قضاءه على أساس إنه طاملا أن الدعوى التحكيمية جرت في ظل أحكام االتفاقية املُ ّ
وحدة،
فحكمها يكون ُمحصنا أمام القضاء املحلي لكل دولة من دول االتفاقية ولو بدعوى إبطال مبتدأة.
مستطردا ،أضاف الحكم أن الدعوى األصيلة ببطالن أحكام التحكيم تعد -بشكل أو آخر -منازعة ناشئة
ُ
عن تطبيق االتفاقية التي تحدد بشكل حصري محكمة االستثمار العربية كجهة قضائية خاصة
باملنازعات الناشئة مباشرة عن االتفاقية نفسها ،وأن تلك املحكمة االستثمارية التابعة لجامعة الدول
العربية هي محكمة إقليمية دولية مستقلة ،منقطعة الصلة باألنظمة اإلجرائية الوطنية بما في ذلك كل
نظام تحكيمي وطني ،وبهذه املثابة فإن دعوى البطالن تخرج عن والية القضاء املصري ونطاق
اختصاصه الدولي.
• ّ
للمرة الثانية سلكت ليبيا طريق النقض ،فطعنت على الحكم السابق (حكم )2018/8/6بالطعن رقم
18615لسنة 88ق ،وبتاريخ 2019/12/10قضت محكمة النقض بنقضه كليا ،وفي حكمها أظهرت
القاعدة التي تقض ي بأن موضوع االختصاص -بصوره املختلفة -يعد أمرا مطروحا دائما على محكمة
النقض ولو لم يرد بشأنه نعي خاص به ،وحكم النقض السابق (حكم )2015/11/14يتضمن بالضرورة،
وكمسألة قانونية محسومة بقضاء فاصل وقاطع ،اختصاص محكمة استئناف القاهرة بنظر دعوى
بطالن حكم التحكيم املطروحة .لذلك ّ
قرن حكم النقض (الثاني) قضاءه الناقض باإلحالة مرة ثانية
إلى هذه املحكمة للفصل في موضوعها بحكم جديد ،أي بالتصدي لألسباب التي أقيمت عليها دعوى
اإلبطال .بصدد هذه اإلحالة (الثانية) أشار الحكم إلى إنه ولئن كان القانون ُيلزم محكمة النقض إذا
كان الطعن أمامها للمرة الثانية أن تحكم في املوضوع إال أن التزامها بذلك ال يقوم أصال في حالة نظر
ُ
املوضوع على درجة واحدة ،فمحكمة االستئناف القاهرة -التي تطرح أمامها بحسب األصل دعاوى بطالن
أحكام التحكيم ابتداء ومباشرة -لم تستنفد واليتها في الفصل في موضوع الدعوى بالبطالن ،فقد
اقتصرت في حكميها عند حد الوقوف على املظهر الشكلي ،عدم قبول الدعوى ثم عدم االختصاص بها،
ولم تتجاوز النظر فيما عدا ذلك.
ُ
•وقام الطرف الليبي بتعجيل دعوى البطالن -للمرة الثانية -حيث أعيدت إلى الحياة واستأنفت سيرها
ُ
من جديد ،ونظرت أمام هذه الدائرة (التجارية األولى) بجلسة 2020/3/2وفيها حضر الخصوم وقدموا
مستندات ومذكرات عدة تمسكوا فيها بأوجه دفاع ال تخرج في جوهرها وفحواها عما سبق أن قدموه
أو استندوا إليه من أدلة واقعية وحجج قانونية طوال مراحل التقاض ي (صفحات بعد صفحات وأوراقا
بعد أوراق) ،لذلك قررت املحكمة النطق بالحكم في الدعوى بجلسة اليوم مدا ،وبعد املداولة أصدرت
حكمها هذا.
الــمحـكـم ـ ـة:
-1وحيث إنه في القانون املصري ،فوفقا ألحكام دعوى بطالن أحكام التحكيم التي هي الضمانة الكبرى
املرتبطة بمصالح أطرافه ،وبحسب طبيعتها ،فال شأن لقاض ي البطالن بالنتيجة التي خلص إليها حكم
التحكيم ،كما إن أخطاء الحكم املتعلقة بعيوب في التقدير بالنسبة لعناصر الواقع أو بمخالفة القانون
ال تجعله بالضرورة موصوما بالبطالن ،وبطبيعة الحال ال يجوز للخصوم إعادة الجدل في عناصر النزاع
املوضوعي أو إعادة طرحها من جديد على محكمة البطالن ملراجعتها .وال يملك القضاء تخحيح أو إتمام
النتائج التي أثبتها املُحكم أو رد األمور إلى نصابها أو أن ّ
يقوم أو يخحح ما يكون في حكم التحكيم من
ّ
عوج .ومع ذلك كله ،وعلى الرغم من قوامه وكيانه االتفاقي الذاتي واملتميز ،فإن لنظام أو طريق التحكيم
من األطر التحكيمية الكلية والقواعد املبدئية "العدلية" التي توجبها الفطرة وتفرضها حقائق األشياء
ما يحول دون إساءة استخدامه بما ُي ّ
خرجه عن وظيفته وحدوده املنطقية املشروعة ،فالتحكيم نظام
قانوني ال نظام مطلق ،لذلك فإن جاوز حكم التحكيم ضوابط التحكيم وأطره الجوهرية أو عطلها ،فال
يكون الحكم مستحقا للحماية املقررة له ،وبالتالي فال يكون ُمحصنا .فغير مسموح ُ
للمحكم أن يتح ّرر
من أي ضوابط قانونية أساسية أو أن يهدر مبادئ عدلية جوهرية أو أن يتحلل من الضمانات والواجبات
السلوكية واجبة الصيانة ،أو أن يخترع شيئا من ال ش يء.
-2لذا ،فال ُيحرم قاض ي البطالن –عند ُمخاصمة حكم التحكيم -من أن يمر على أسباب الحكم فاحصا
إياها ،بعناية وفهم ويقظة ودراية ،سبيال إلى استظهار واستبيان مفترضات املطاعن املثارة في شأنه والتي
قد تؤدي –حسب ظهورها الواضح الصريح وتأثيرها الجسيم -إلى إبطاله .ومن زاوية النظام العام ،فيحق
ّ
ُ
للقضاء دائما التدقيق واالستيثاق مما إذا كانت معايير املحاكمة التحكيمية (النزاهة اإلجرائية )قد تم
ُ
االلتزام بها أو إنها أهدرت بشكل جوهري ،خطير وواضح .وكذلك يملك القضاء تقدير ما إذا كان الحكم
قد تضمن -في أسبابه املؤثرة في محصلته أو في منطوقه -عدوانا ،حقيقيا وواضحا ،على قواعد النظام
العام ،تلك ذات األصول اليقينية الثابتة ،من عدمه .وتندرج تحت هذه القواعد بطبيعة الحال القواعد
األولية الضرورية التي تالزم ضوابط ومعايير العقل وتفرضها حقائق األشياء ،فهذه ال يجوز ُ
للمحكم أن
يتجاوزها أو يهدرها أو يتجاهلها على نحو مفرط .هكذا ،وفي حدود قانونية ُ
محدودة وضيقة ،يقول قضاء
البطالن كلمته في شأن حكم التحكيم ،إبطاله أو رفض دعوى إبطاله .وفي كل األحوال ،ورغم مرونة
الضوابط القانونية والشكلية للشأن التحكيمي ،قياسا على الضوابط الصلبة أو الخشنة املتصلة
ُ ّ
للمحكم أن يتمتع بسلطة كاملة ومطلقة ال قيد عليها وال عاصم من
بالشأن القضائي ،فإنه ال يمكن
جموحها أو انحرافها .في نطاق تبعات ودالالت قواعد النظام العام ،أوامره ونواهيه ،وموازينه العصرية
التي استقرت حقيقتها ،ال يتبوأ كل حكم ولو كان تحكيميا صدارة ما ،فليس له –كغيره -مصدر
ُ
قدس ي .فالتحكيم ليس مقصودا لذاته ،وال هو ّ
مزية يتحرر فيه املحكم من كل قيد.
-3في مجال املسئوولية املدنية ،فالحكم بالتعويض يعد أمرا مرهونا لزوما بوقوع الضرر ،وبحيث
يتم تحديد مقدار التعويض بقدر يتناسب مع الضرر ،أي متكافئا عقال مع الضرر ومناسبا لجبره ،ويقاس
ُ
الضرر بمعايير أو أسس موضوعية تأخذ في االعتبار الظروف الواقعية املالبسة .يمثل مبدأ التكافؤ أو
التناسب في تقدير التعويض قاعدة ثابتة من قواعد النظام العام املشتركة التي ال يجوز التفريط
فيها الرتباطها الوثيق بمصالح وحقوق األفراد واحترام توقعاتهم املشروعة ،فيحق للقضاء أن يستظهر
–دون بحث موضوعي أو تعمق -مدى احترام حكم التحكيم ملبدأ التناسب هذا ،بحيث يمكن إبطال
الحكم ،أو رفض تنفيذه ،إذا كان متضمنا –بوضوح وبشكل ملموس بارز -تعويضا مجحفا ،ظاملا ظلما
شديدا ،يتجاوز الضرر بشكل فادح ،غير مالئم وغير قابل للتعليل باملرة .وعموما ،فالتعويض -أيا كان
وفي إطار توازن املصالح على اختالفها -يجب أن ال يتعارض في مداه مع مقتضيات العدالة وروح
األنصاف ،وإال تمخض إلى فوض ى وعدوان ،وبالتالي فإنه ال يوجد تعويض بال قيد أو سقف أو حاجز،
وإال صار لغوا عبثيا ،فعال تحكميا تسلطياّ ،
منهيا عنه في كل قانون.
-4وألنه من غير املتصور أن يصبح العالج أسوء من املرض ،كما أن الضرر ال ُيدفع بضرر مثله .لذلك
يعمل كل قانون على إرساء قاعدة عدالة التعويض .املادة التاسعة من االتفاقية "املُ ّ
وحدة" الستثمار
رؤوس األموال العربية ذاتها حرصت على صون وتوكيد هذه القاعدة ،فقضت في صلبها على وجوب أن
يكون التعويض املستحق للمستثمر العربي تعويضا عادال يتناسب مع الضرر "…نتيجة قيام الدولة
املضيفة أو إحدى سلطاتها العامة أو املحلية ." ….. ،هذا ولئن كان جبر الضرر هو مضمون الحق في
التعويض والغاية املستهدفة منه ،فإن الخروج عن الحدود املوضوعية املنطقية العاقلة لهذا الحق قد
ُيوصف بكونه سلوكا شاذا أو عمال خارجا أو فعال كيديا أو حكما منحرفا ،غير مشروع.
-5وإعماال لقاعدة قانونية أساسية ومشتركة ،فمن غير الجائز ممارسة الحقوق ألهداف خارجة عن
ُ
تلك التي أعطيت لحمايتها ،أي أنه ليس من املقبول ممارسة الحق أو استخدامه على نحو ينافي مقاصده،
ُ
بحيث يصبح في ظل الظروف والحقائق املحيطة -مخالفا ألغراضه املنطقية ،أو متجاوزا لعناصره
ومتطلباته .هنا يصبح القانون ذاته (استعمال الحق) خارجا على القانون .بعبارة أخرى ،فمن األصول
التي تقوم عليها فكرة القانون يوجد مبدأ يحظر التعسف في استعمال الحقوق ،بحيث ال يجوز ممارسة
حق ما ألغراض غير تلك التي أنش ئ من أجلها ،فعندما ُيستعمل الحق القانوني أو ُيطبق بشكل مختل،
باملرة" ّ
متجاوز الحدود املوضوعية املعقولة ،أي على وجه غير مناسب ّ
متهور" ،فإن هذا االستعمال غير
الجاد للحق (بالنظر إلى غايته املقصودة في ضوء الحالة الفردية املثارة) يكون فعال محرما فاقدا
للمشروعية ،ال يحميه القانون ،فقبل كل ش يء ،ال يمكن للحق أن يناقض نفسه أو روحه وفحواه.
-6عند الكالم في القانون في ُمجمله ،فهناك مبادئ عليا حاكمة ،ال يمكن التالعب في جوهرها أو معناها
ألنها تسمو في مرتبتها على كل قانون ولو كان مكتوبا .تأكيدا وتوطيدا لحقوق اإلنسان ولقيمة العدل -
الذي تزهو به األمم -وأطره ومفاهيمه ،فإن املبدأ الهادف إلى درء الظلم الجسيم والفاضح الذي يرفضه
العقل القويم –دفع املضار -يعتبر أصال ثابتا ساريا في كل زمن وعبر كافة الدول ،فمثل هذا الظلم الشديد
يجب أن يذهب ،ودرءه ليس مجرد تكليف ديني أو أخالقي سلوكي وإنما يعد ،فوق ذلك ،التزاما قانونيا
من املتعين مراعاة توجيهاته وتوكيد معناه.
-7بقوة شواهد الواقع واملقاييس العقلية ،فهناك دائما ،عند الفصل في كل نزاع ،حدود حيوية توجبها
الفطرة وتفرضها حقائق األشياء ،غير مسموح بتخطيها أو اإلطاحة بها ،وال يجوز إغفال تجاوزها
الفاضح ،وإال تصادم ذلك مع مفهوم الحق في ُمحاكمة عادلة ُمنصفة ،تلك التي تكفلها وتحميها ،نظرا
ألهمية املصالح املرتبطة بها ،املواثيق والدساتيرُ .محاكمة ُمحايدة ،نزيهةُ ،متكافئة ،وفقا لوسائل
وضمانات قانونية وضوابط منطقية مبدئية ُتوفر في نهاية مطافها حال ُمنصفا أو مالئما أو متوازنا لحقوق
األفراد املتنازع فيها .ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
-8ووفقا للمفاهيم املعاصرة وعلى نحو قاطع ،فإن فهم وتفسير وتطبيق القانون يخضع لضوابط عدالة
واجبة ،معايير دنيا لإلنصاف ،يتعين بالضرورة أخذها في الحسبان وتفعيلها دون أي انطباعات أو تحيزات
مسبقة .فالقانون ليس بعيدا عن العدالة وال العدالة منقطعة عن القانون ،بل إن الرابط بينهما صالت
وأرحام .فتوجد دائما توجهات عدالة الزمة وضرورية متصلة بالواقع تندرج تحت حدود وأقيسة عقلية
منطقية -شأنها في ذلك شأن القواعد القانونية جميعها -تنبه وتوجه في زمن ُمحدد وبيئة واقعية
ُمعاشة .وقد ذهب الفالسفة القدماء إلى أن البحث عن الحقيقة في القانون يعني البحث عن العدل
ألن العدل هو الذي يمثل حقيقة القانون وجوهره ،وعليه فإن تطبيق القاعدة القانونية أو فهمها
وتفسيرها ،على الواقع العملي ،يلزم أن يكون ممزوجا بموجبات عدالة محل اعتبار دائم.
ٌّ
وضعي ُيوقعه القضاء ،فإن هذا يعني
-9حقيقة األمر إنه إذا لحق بقاعدة الدين أو قاعدة األخالق جزاء
أنها صارت قاعدة مزدوجة الصفة ،وجزاؤها الوضعي إنما يترتب باعتبارها قاعدة قانونية ّ
صرفة أو
ّ
خلقية نبيلة ومطلوبة .وعلى أية حال فإن مبادئ
واجب قانوني ُملزم ال باعتبارها قاعدة دينية أو قيمة
القانون الطبيعي القائمة على أسس العدالة املتطورة واملرنة –التي تدخل في ُمكونات كل قانون -هي
املصدر األساس ي أو املعيار الذي يتم االلتجاء أو اإلشارة إليه عند تحديد نطاق قواعد النظام العام
الدولي ،ذلك الذي يتجاوز الحدود القانونية والثقافية اإلقليمية .وبحيث يعد املساس الفاضح ملفهوم
العدالة -في حاالت بذواتها -ظلما جسيما غير مغتفر ،ومن ثم ينبغي استبعاد العمل أو الفعل أو التصرف
ُ
القانوني أو الحكم املنطوي عليه وإهداره ،فالعدل يحظى بأسبقية وسمو على غيره ،فله دائما مركز
الصدارة .قيل ،في زمن فات ،إن العدل ذاته هو املحرك "الثابت" للتشريعات الوضعية املتغيرةّ .
وقيل
أيضا ،إن غريزة اإلحساس بالعدل -مفتاح ارتقاء الدول -تجعل الجمهور حريصا على فكرة أو مظهر
العدالة والجهر بها حتى في مهازل املسرح.
-10بالعودة إلى حكم التحكيم ،فاألمر البارز فيه– يقفز إلى العين -يتمثل في ضخامة مبالغ التعويض
املحكوم بها ،نحو مليار دوالر أمريكي .بالنظر إلى الصورة الكلية أو اإلطار العام للنزاع التحكيمي ومظاهره
وعناصره الواقعية ،فإنه يمكن وصف هذا التعويض بكونه تعويضا عاصفا غير مبرر باملرة ،مخالف
لطبيعة األشياء ،ما كان في الوسع توقعه عقال وقانونا ،فقد انبنى التعويض على معطيات نظرية
وتصورات مجردة ،بال واقع يسنده .بداية تكتفي املحكمة في هذه الفقرة بأن تشير إلى ما سجله حكم
التحكيم نفسه ،فالكتاب املؤرخ 2012/8/23املعتبر كخحيفة دعوى التحكيم أو مفتاحها والصادر عن
املحامي الوكيل عن شركة الخرافي املحتكمة (األستاذ ،)…/فقد ذكر فيه أنه سبق لشركته أن عرضت
على هيئة التمليك واالستثمار الليبية عدة خيارات ،من بينها.. " :أن تدفع -تلك الهيئة -للشركة خمسة
ماليين دوالر أمريكي وهو ما يمثل فقط جزء من خسائرها وتنتهي العالقة بين الطرفين" ،هذا هو مقدار
التعويض الذي ارتضت به املحتكمة بداية ،مبلغ خمسة ماليين دوالر ،أو ما يزيد عنه قليال .ثم أخذ
التعويض يمتد ويتصاعد في تالحق دراماتيكي ،فخالل دعوى التحكيم عادت الشركة ورفعت مقداره
أكثر من مرة ،بداية من 55مليون دوالر لتصل إلى حوالي مليار و 144مليون دوالر ولتستقر في طلباتها
الختامية إلى طلب ما يزيد على مليارين و 55مليون دوالر تعويضا لها عن إنهاء املشروع املعطوب .هذا
السلوك الصادر عن املحتكمة -بإشاراته املوحية التي تستدعى االنتباه بشدة -يعد فعال يشبه السخف
بل هو السخف ذاته .ومع ذلك ،فقد ساير حكم التحكيم سخف املحتكمة وانقاد إليه وتعامل معه
ُ
بجدية –وبمنطق عاجز وحجج واهية سقيمة -فصار لذلك حكما سخيفا عبثيا ،يتسم بالقسوة املفرطة،
يؤذي العقل والقانون ومدلول العدالة واإلنصاف ،جميعا.
-11واألمر الذي يستوقف النظر بشكل الفت ،أن هيئة التحكيم ذكرت في سياق حكمها -بحماس وبغير
تردد وال حرج -أن قناعتها الشخصية وسلطتها التقديرية تذهب بها (رأي األغلبية) إلى أن قيمة ُمعدل
ُ
الخسارة التي لحقت بالشركة املحتكمة من جراء " ..الفرص الضائعة واألكيدة واملحققة" -بسبب
اإلطاحة باملشروع املوعود -هو مبلغ يجاوز املليارين من الدوالرات ،وهو أكثر مما طالبت به املحتكمة.
هذا هو جماع عقيدتها ،ولكنها (األغلبية) لم تتردد في استعمال الرأفة ،وذلك بعد استماعها إلى مرافعة
املحامي القدير (األستاذ الدكتور )… /الحاضر عن الطرف الليبي " …الدولة الفتية التي عادت بقوة بعد
الثورة" ،هكذا تحدث الحكم .مع الرحمة التي هي فوق العدل ،استعملت هيئة التحكيم سلطتها
التقديرية فنزلت بالتعويض عن عنصر الكسب الفائت وحده ليصير فقط تسعمائة مليون دوالر
ُ
(وفوائده) .هذا هو إذن لب وصميم الحكم املطعون فيه.
-12بحسب ما ساقه حكم التحكيم من ُمقدمات وتعليالت ،سوف يأتي ذكرها الحقا ،يظهر -بإحساس
قانوني ُيصعب تجاهله -أن تقدير الحكم للتعويض السالف الذكر يتسم بالتعسف والغلظة واإلسراف
الشديد في مداه ،يخرج عن حدود كل معقول ،ويشكل انتهاكا ظاهرا وخطيرا لجوهر مبدأ التكافؤ أو
ُ
التناسب بين مقدار التعويض وبين الضرر ،مهدرا بذلك وبصورة تحكمية ،الحقوق واملركز القانونية
ُ
املتصلة بالدعوى التحكيمية بما يمثل إخالال بالضمانات املشروعة –حقا وعقالُ -
للمحاكمة املنصفة
العادلة .فقد أفرغ الحكم قاعدة التناسب هذه وجردها من مضمونها الهادف إلى تحقيق العدالة -ولو
في حدودها الدنيا -ال إلى الحرمان منها .بوضوح ،وبشكل تعسفي أيضا ،فقد مسخ الحكم مضمون الحق
ُ
في التعويض في أصله ومحتواه وحقيقة مرماه ،فتجاوز نطاقه ومتطلباته ومقاصده وخواصه املنصفة
ُ
املالئمة ،ففقد التعويض مقوماته ومغزاه ،وبالتالي يصير من الظلم احترام الحكم الذي قرر تعويضا
ُمعيبا هكذا شأنه ،أو حماية آثاره.
ُ
-13من القواعد التي تقوم عليها القوانين ،إنه من املتعين أن يكون التعويض جابرا –بقدر اإلمكان أو
املستطاع -لكل ضرر أصاب املضرور (الدائن بااللتزام) بحيث يشمل ما لحقه من خسارة وما فاته من
كسب ،بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بااللتزام (أو فعل الخطأ) .هذا ولئن كان يجوز
للمضرور املطالبة بالتعويض عن ضرر مادي مستقبل محقق الوقوع ،فإنه يوجد كذلك ما ُيعرف
بالتعويض عن تفويت الفرصة في الكسب أو املنفعة أو الربح ،الذي هو في حقيقة أمره تعويض عن
ضرر مادي مستقبل ال يوجد ما يمنع من النظر فيه وحسابه كعنصر من عناصر التعويض املحكوم به.
ويقال في ذلك إن الحرمان من الفرصة حتى فواتها هو ضرر ُمحقق ولو كانت اإلفادة منها أمرا محتمال.
بعبارة أخرى ،فإذا كانت فرصة الكسب أو الفوز أمرا محتمال ،فإن "تفويتها" على املضرور هو أمر (أو
ضرر) ُمحقق قد يقتض ي الحكم له بالتعويض .هنا ينصب التعويض عن "تفويت" فرصة الكسب وليس
ُ
عن الكسب أو الضرر املستقبلي املؤكد تحققه .فهذه" الفرصة" هي فقط القدر املوكد من الضرر الناتج
ُ
عن فوات الفرصة ،بحيث يراعى في تقديره -كأحد أوجه الخسارةُ -مجمل األوضاع التي ترجح إلى أي حد
كان االحتمال في الكسب أو فرصة النجاح والربح املحتمل (غير املؤكد) كبيرا أو صغيرا أو تافها هزيال أو
غير موجود باملرة.
ُ
-14اتصاال بذلك ،فمن األهمية بمكان ،عدم الخلط بين التعويض عن الضرر املباشر املحقق الوجود
ُ
في املستقبل وبين التعويض املالي عن ما ُيسمى بالكسب الفائت املحتمل ،فهذا األخير ال يكون عن ضرر
سيقع حتما في املستقبل ،بل إنه ينبني عن فوات فرصة وقوعه ،فهناك فرق جوهري بين التعويضين،
فهما أمران مختلفان ،ولكل منهما نطاقه وضوابطه الحاكمة .فالكسب الفائت الناتج عن فوات
الفرصة ،ليس ضررا مؤكدا أو أمرا محتوما ،بل إنه مقرر فقط ،عن تفويت" األمل" في الربح ،وباعتباره
عوضا عن ضياع األمل في الكسب لذلك يتعين دائما األخذ في تقدير التعويض عنه جانب
ُ
الحيطة .فاألمل في احتمال النجاح هو وحده القدر املحقق من الضرر عن الربح الفائت ،ال أكثر وال أقل.
ومن املنطقي والحال هذه ،فإنه يجب للحكم بالتعويض عن فوات الفرصة وجود مبررات واقعية ودالئل
ُ
ُ
كافية تبرزه وترجح احتماله ،أي أن يكون التعويض عنه قائما على أسباب ودعامات معقولة ،كاشفة
وظاهرة ال يمكن إنكارها .فهذا النوع من التعويض ال يقوم -وبالتالي ال ُيحكم به -على مجرد أحالم خضراء
ورؤى وتطلعات ُمرسلة ،أو أوهام ُمتخيلة ،فهذه ال ُيعوض عنها.
-15في ظهور فاضح ،خالف حكم التحكيم النظر القانوني املتقدم ،فقام بتقدير التعويض عن الكسب
الفائت -الذي يمثل العمود الفقري من جسم الحكم وعصبه -ال بحسبانه تعويضا احتماليا عن ضياع
األمل في فرصة الكسب وإنما باعتباره تعويضا أكيدا عن ضرر فعلي كان سيقع حتما في املستقبل.
هذه املخالفة الخطيرة للقانون ،فهمه وتأويله وتطبيقه ،قادت الحكم وجرته إلى مزالق ال قاع لها ،إذ
أدت به إلى الوقوع في شطط -يشبه الفوض ى -ال يمكن قبوله ،بحيث تمتد إليه بالضرورة -كمالذ أخير-
الرقابة القضائية ،رقابة البطالن .فاملبلغ املحكوم به للمحتكمة عن الكسب الفائت ،على ضوء ما
أحاط النزاع من ظروف ُمالبسة ،يعد بكل مقياس قانوني عدلي تعويضا ظاملا ظلما صارخا مبالغا فيه
على نحو مفرط ،اصطناعي ،غير منضبط أو متوازن ّ
باملرة .فعالقة العلة باملعلول التي هي دعامة كل
تعويض ،كانت منتفية ،فالضرر املحكوم بالتعويض من أجله كان متوهما ،منتحال ،مجردا بغير واقع،
فانحل عدوانا على الحقوق املتنازع بخصوصها حول املشروع املعطوب .بحسب األصول القانونية
املحسومة في النطاق الدولي وبشكل عام ،فإنه يجوز إبطال حكم التحكيم ،أو عدم تنفيذه عند
االقتضاء ،وذلك إذا كان معيبا بعيب الغش واالحتيال أو في الحاالت التي يثبت فيها مخالفة هيئة
التحكيم ألبسط مفهوم من مفاهيم العدالة املستقرة ،املعايير الدنيا لإلنصاف ،موضوعية كانت أم
إجرائية.
-16من أجل صون الحقوق وحمايتها ،وبحسب حقائق الطبيعة ،فهناك دوما لوازم منطقية وضابطة،
متصلة ومرهونة بيقظة العقل اإلنساني ،قواعد عقلية عدلية ،موجهات عليا (معايير إنسانية إيجابية
ومشتركة) ال يجوز تغييبها أو استبعادها أو مراوغتها ،فهي ال تهيم أو تعمل في فراغ كقوالب صماء ،بل
إنها في حقيقة األمر جوهر ُحكم القانون ،تملك طابعها الواقعي الحيوي ألنها تتصل اتصاال وثيقا
ومستمرا بسياق الواقع القانوني الذي ال خفاء فيه ،متداخلة فيه ومتفاعلة معه .بحسب منطق الواقع
ُ
املطروح وقوة الظروف املحيطة والكاشفة ،وموجبات اإلنصاف ،فإن الكثير من هذه اللوازم العقلية
ُ
كانت غائبة عن الحكم املطعون فيه .انطوى حكم التعويض على غلو وإفراط شديدين ،غلو يأباه العقل
وإفراط ال يقره قانون ،بما هدد كيانه ،فالعدل فيه كان مفقودا على نحو صارخ ،فصار لذلك مسكونا
بالبطالن.
-17ومن القواعد الراسخة ،إنه ال يسمح ألي شاهد أو خبير أن يعطي رأيه في استنتاجات قانونية أو أن
يحدد قانون الدعوى ،فإنه ليس من العسير على املحكمة أدراك أن تحديد قيمة التعويض عن الكسب
ُ
الفائت قد أقيم وترتب على أساس فاسد ،استمدته هيئة التحكيم (األغلبية) من تقارير خبرة حسابية
صادرة عن عدة مكاتب مالية ارتكزت في تحصيل نتائجها على معلومات وبيانات ورقية ُمعدة ومجهزة
سلفا ُمقدمة إليها من جانب املحتكمة وحدها ،مخحوبة بأماني طموحة طيبة .تقارير بغير جذور،
منفصلة عن الواقع والقانون ،مرسومة بأقالم في لوحة فارغة .مجرد حسابات معيارية ورسوم بيانية
ونبع نقدي متدفق وأرباح تتوالد وتتعاظم طوال مدة االمتياز االستثماري (عقودا بعد عقود من السنين،
وماليين وراءها ماليين من الدوالرات) وذلك باعتبار أن هذه األرباح أضرارا مباشرة (صافي أرباح مستقبلية
محققة الوقوع "ككسب الفائت") .أرقام خبرة مبنية على فرض جدلي "متوهم" بوجود املشروع السياحي
املتفق عليه ،قائما ومتكامال وجاذبا بالفعل للزبائن ،كائنا مزدهرا نابضا بالحياة أو أنه ثمرة خصبة
ُمكتملة النمو ُتستغل ُ
ومولدة ألرباح متتالية ،وباعتقاد أن هذه األرباح "املتوهمة أو الزائفة" تمثل
تعويضا مستحقا عن ضرر مستقبلي محقق الوقوع ،كان سيقع حتما.
-18األمر الذي يمكن إدراكه بيسر ،أن هيئة التحكيم اتكأت على عالم من األرقام والنتائج التجريدية -
ُمستنبطة من أوراق صماء -دون نظر في تحصيل الواقع املادي املؤدي إليها والتثبت قانونا من صحته،
فقد أعتمد الحكم على نتائج خبرة تناقض املنطق العادي للشخص العاقل العادي ،فهناك فرقا بين
ُ
املجرد األصم وبين الواقع الحي امللموس والفعال الذي ال يمكن تجاهله .واملحكم ،مثله هنا مثل
القاض يُ ،ملزم بفهم الواقع املادي للدعوى التحكيمية فهما قانونيا ،وذلك بحسبان أن الواقع ال يتصور
إال مختلطا بالقانون ،غير منفك عنه .انساق حكم التحكيم وأستند ،دون بصيرة وفي خرق جسيم
للقانون وتشويه واضح للواقع ،إلى قوالب نظرية معيارية وأرقام ربحية تولدت عن افتراضات ُ
ومقدمات
غير صحيحة ،خاطئة غير صادقة ،مؤسسة على ظن أو افتراض ُمصطنع قوامه أن مشروع النزاع حي
يتنفس ويالقي رواجاّ ،
ويدر ربحا متدفقا يتعين حمايته وتأمينه وتوكيده ،ومن ثم الحكم به.
-19وذلك في حين يؤكد الحكم نفسه ،في أسبابه وتحليالته ،أن املشروع املأزوم لم يبدأ تنفيذ أي من
خطواته الرئيسية ،بل اقتصر فقط على مجرد تحضيرات وتصورات بال دفع أو حركة ،فظل عقد
االستثمار سلبيا محضا ،بال جسد مادي ،وال روح .بمالبسات سياق الواقع الظاهر ،فمشروع النزاع ظل
مجرد أرض قلقة مضطربة (قانونيا وواقعيا) بال تسليم هادئ أو تراخيص أو تمويل مالي يذكر ،وحالة
أشبه بالسكون ال أكثر .يكاد يكون مشروعا ورقيا إال قليالُ ،معاقا خامدا بال إشعاع أو بريق أو ّ
صيت.
قطعة أرض مقفرة ال تدر زرعا أو عائدا أو ربحا ،ومتنازع حولها ،مع سلسلة متصلة من العقبات
ّ
ومعادة ُ
عليلة ُ
ومملة،
والعوائق والشكاوى واالعتراضات واالجتماعات واملساعي املتبادلة ،ومحاوالت ودية
هكذا جرت األمور ،بحيث يمكن اعتبار أن املشروع ومنذ بدايته كان مخنوقا ،عقيما ،خائبا ،غير مرحب
به أصال .فللربح معطيات ،وأدوات مادية ،ومرتكزات علمية ،ومحيط مناخ استثماري ثابت وصحي
ومعتدل ،ال سبيل لفصلها عنه (الربح).
-20ومن اإلشارات املتوفرة للكافة واملعلومة بالضرورة والتي تكشف عن نفسها بغير حاجة إلى جهد
عقلي مميز ،فاالستثمار موضوع التحكيم انصب على نشاط سياحي طويل األمد في بلد انفرط عقده،
معزول ومشتبك ُ
ومرهق ،غير جاذب للسياحة في األصل ،مقطوع األوصال ال ُيعرف ما سيكون عليه
ُ
مصيره وما ستؤول إليه أوضاعه املعقدة .هذه املخاطر املصاحبة للواقع والقانون تؤدي عقال ووفقا
لطبيعة األشياء إلى اختناق كل استثمار سياحي وجعله عديم الجدوى ،بغير عافية أو أمل في جني أي
ربح .هذه الحقائق الواضحة –بالغة األهمية -ال يمكن إغفالها وال سبيل إلى توقيها في املستقبل املنظور،
سواء بالنسبة لطبيعتها أو مداها .وعلى الرغم من سعة مدوناته وتفصيالته املتكررة بإفراط ،فقد أهمل
حكم التحكيم هذه الشواهد الظاهرة -مع تزامنها وصدوره -إهماال تاما رغم ارتباطها ارتباطا منطقيا
ومباشرا بالحل الذي أعتمده الحكم ،فال يتصور قيام هذا الحل إال بها ،أي بوجوب مراعاتها ،هذا ما
تمليه بالضرورة قواعد القانون ومقتضيات العقل .وبجملة واحدة :بحسب الظروف الظاهرة ،فليس
غريبا القول بأن الشركة املحتكمة نجت بالفعل من شر "ضرر" ُمحيق ،وأفلتت -دون قصد منها -من
شباكه .فالحقائق تصنع واقع الحياة ،ولو كانت سياحية استثمارية.
-21ومما هو واضح أيضا ،فعلى الرغم من املحاوالت الدائبة التي سعت إليها املحتكمة من أجل البدء
في تنفيذ
املشروع املوعود ،فقد انكفأ املشروع دون إنماء وتاه بال أمل ،بسبب اصطدامه بواقع ليبي ُمعاكس،
بيروقراطية ثقيلة أو قلة تبصر أو عناد أو فساد أو شلل إداري ،أيا كان من األمر فقد ضاع املشروع وتعثر
ُ
ّ
الصرفة التي
وأحبط في مهده .ومعنى هذا ببساطة أن القواعد واملعايير ونتائج الكراسات الحسابية
تضمنتها تقارير الخبرة ،تلك املتصلة بالضرر االقتصادي الناتج عن الكسب الفائت ،ال يمكن أن تعني
شيئا في الواقع القانوني املطروح.
ومع ذلك وبغير يقظة -وبفهم سطحي إلى حد معيب -عولت هيئة التحكيم على هذه األرقام -موطئا
وسندا لحكمها -رغم إنها مبنية على تكهنات فرضية ،تجريدات تخمينية خادعة تناقض الظروف التي
رافقت املشروع والبسته ،مجرد طبل أجوف ال معنى له .أذعن الحكم إلى نتائج عشوائية غير ُمعللة
قانونا وعقال ،تخرج بالتأكيد عن املفهوم الخحيح ملعنى الضرر أو الربح الناش ئ عن فوات الفرصة،
هدم الحكم بغير تحفظ أو احتياط معنى فكرة التعويض ،مقصده وغايته ،فتمخض عقابا قاسيا،
مخالفا لطبيعة األشياء .في هذه الحال يمكن وصف الحكم بالتعويض عن الكسب الفائت بحسبانه
مظهرا ماديا ال غير ،سخفا ال معنى له ،ليس له من ّ
الدب غير جلده ،إن صح القول.
ُ
-22هذه األمور الواقعية السابق ذكرها ،املوحية بصورة الفتة قوية ،تعدها املحكمة نقطة حيوية،
حاكمة وفاصلة ،بالغة األهمية بصدد اعتبار التعويض املحكوم به كتعويض عن الكسب الفائت قد
جاوز حدود املعقول واألغراض املقصودة منه ،ليصير تعويضا جائرا ظاملا ،سيئا وعاصفا ومزعجا،
مجردا من كل مقومات وجوده ،مهدرا في ذاته املقاصد القانونية ألطراف التحكيم ،وما يتصل بها،
بسبب إخالله بضمانات األمان القانوني الذي هو غاية يستهدفها ويكفلها كل مشرع .هذا التجاوز
الجائر ،كان مؤثرا في بنيان حكم التحكيم بأكمله ومتصال بمنطوقه اتصاال حتميا ،يمكن إدراكه بسهولة
بمجرد قراءة مدوناته بعناية ،بغير حاجة إلى تدقيق أو بحث واقعي ُمتعمق ،ودون ُعسر أو تمحيص .وإذ
استبان للمحكمة أن التعويض املحكوم به كان ّبينا فاحشا ال يجوز التسامح بشأنه ،فإن رد الحكم
املطعون فيه يصير متعينا .فال يجوز أن يتمتع الحكم الذي أتى بتعويض كهذا بحماية ما.
ّ
الشدة،
-23فال حصانة لكل ُسلطة طليقة تحكمية -ترمي شباكها حيث تشاء وترغب -أو ُمفرطة في
بخاصة عندما تتمخض شططا مجافيا ملفهوم العدالة وحدودها املنطقية ،إذ ال يخح -تحت ستار
السلطة التقديرية أو تمسحا بها -خرق القيم العدلية أو فصل األصول القانونية عن األغراض املقصودة
منها أو اقتحام بنيانها والحدود املنظمة لها .من الجلي إذن ،أن هيئة التحكيم فشلت في أداء الواجب
الذي يقع على عاتقها بمراعاة األصول القانونية واألطر العقلية الثابتة ،ومسخت قواعد قانونية
جوهرية كانت مؤثرة في حكمها ،ولم تلتزم بحدود القيود والضمانات الحيوية التي تقتضيها تبعات
ُ
ُ
ومستلزمات املهمة التحكيمية املوكولة إليها ،تلك التي ال يستقيم بدونها الحق في املحاكمة املنصفة ،وال
يكتمل ويصان إال باحترامها .وعلى ذلك يكون حكمها املطعون
فيه موصوما-بقوة -باالنحراف في استعمال السلطة "التحكيمية" ،وبتجاوزها.
-24وتجدر اإلشارة هنا إلى إنه عند الكالم عن عناصر الضرر ،يعرض علماء القانون املثال التالي :إذا
ُدفعت
امرأة حامل ،فإن سقوطها قد يؤدي إلى إصابتها بأضرار تستحق التعويض عنها ،ولكن ال يدخل في
حساب هذه األضرار احتمال إجهاضها مادام ذلك لم يحدث فعال .ويأمر كل نظام قانوني ،في حال الحكم
ُ
بالتعويض ،بعدم إغفال املالبسات الظاهرة والحقائق الواضحة ،فال يجوز استبعادها أو تهميشها،
سواء تعلقت بالزمان أو املكان ،وذلك بحسبانها كاشفة لواقع الحال ُ
ومكملة بالضرورة له ،وباعتبار أن
قوانين السوق -ومخاطره -تأمر وتطاع ،فمقدار التعويض ال يقوم غير بها وال ينهض إال مستويا عليها .كما
أنه من غير املنطقي التعويض عن ضرر غير موجود أو غير ثابت ،ألنه ليس عقوبة أو جزاء "مدني" توقع
أو يوقع على املتعاقد املخالف ،بل هو في أساسه وأصله أداة لجبر الضرر وسبيل إلى إقامة التوازن بين
املصالح املشروعة لألطراف املعنية باألمر في خصوصية النزاع املعني ذاته ،وليست أي مصالح أخرى.
-25ومع أن كل ُمطلق هو مطلق بمقدار ،فقد تصرفت هيئة التحكيم باعتبار أن حكمها مبرما ،قوال
فاصال ال يقبل تعقيبا ،كأنه قدرا محتوما معصوما من كل رقابة .لذلك ،جاء حكمها ،وعلى نحو ّ
جلي
وفاضح يكشف عن نفسهُ ،… ،مفرطا فجا ،وظاملا إلى حدود تجعله خارجا على القيود العدلية
واملوجبات العقلية املنطقية ،على اختالفها ،تعسفيا ،تمييزيا ،ويشكل بذلك انتهاكا واضحا وخطيرا
للمبادئ القانونية األساسية .وعليه ،فمن غير الجائز أن ينش ىء حكم هو ذاك ،رغم وجوده املادي،
حقوقا أو يرتب التزامات ،ومن غير املقبول أيضا أن يحاج به أو ُيمنح حصانة ما .وعلى ذلك ،وإذعانا
لقواعد النظام العام ،الهامة والجوهرية واملؤثرة ،وصونا وتثبيتا لها ،يصير بطالن الحكم ،برمته ،نتيجة
ُ
لشططه املفرط ،ولكل ما تقدم بيانه من أسباب ،أمرا محتوما ،ولذلك تقض ي املحكمة ببطالنه.
-26بقي على املحكمة التقرير بأن شركة س.أر .للتمويل )) FINANCIERE CERلم تكن طرفا في دعوى
التحكيم املطعون في حكمها ،لذلك تقض ي املحكمة بعدم قبول تدخلها في دعوى البطالن املاثلة ،وتلزمها
ُ
ُ
بمصاريف وأتعاب طلب التدخل .وتضيف املحكمة أن هذه الفقرة تكمل منطوق الحكم وتكون معه
وحدة واحدة ،بحيث ال ينفصالن .
فله ــذه األس ــباب:
حكمت املحكمة ببطالن حكم التحكيم املطعون فيه الصادر في مصر " القاهرة " بتاريخ2013/3/22م ،وإلزام الشركة املدعى عليها املصاريف القضائية ومبلغ مئة جنيه كمقابل
ألتعاب املحاماة.
القضاة :أمير مصطفى ،أشرف عطوة ،إسماعيل إبراهيم الزيادي .كاتب الجلسة /أيمن
شلبي