
يتناول المؤلف دراسة معمقة لطبيعة دعوى التحكيم في إطار القانون العام والقانون الخاص، مبرزًا أوجه التشابه والاختلاف بينهما من حيث الأساس القانوني، الإجراءات، والآثار، مع ربط ذلك بالأنظمة القانونية الوطنية والمعايير الدولية.
أهمية البحث تأتي من تزايد الاعتماد على التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعات، سواء في العقود المدنية والتجارية أو في منازعات الدولة مع المستثمرين أو العقود الإدارية، وهو ما يثير إشكاليات في تحديد القواعد الإجرائية والموضوعية الواجبة التطبيق.
أهداف الدراسة تتركز في:
تحديد مفهوم دعوى التحكيم وتمييزها عن الدعوى القضائية التقليدية.
بيان الإطار القانوني لدعوى التحكيم في القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية.
تحليل الطبيعة المزدوجة للتحكيم بين المجالين العام والخاص.
بحث خصوصيات الإجراءات منذ تقديم الطلب وحتى تنفيذ الحكم.
أولاً: ماهية دعوى التحكيم
يعرف المؤلف الدعوى التحكيمية بأنها إجراءات قانونية يتفق الأطراف على إخضاع نزاعهم لها أمام محكم أو هيئة تحكيمية مختارة، بدلاً من القضاء الرسمي.
يوضح الفرق بين دعوى التحكيم في القانون الخاص التي تنشأ بين أطراف متساوية في المراكز القانونية، ودعوى التحكيم في القانون العام التي قد يكون أحد أطرافها الدولة أو شخص اعتباري عام، مما يفرض قيودًا إجرائية خاصة.
يؤكد على دور اتفاق التحكيم كشرط أساسي لقيام الدعوى، سواء كان شرطًا في العقد أو اتفاقًا لاحقًا.
ثانياً: الطبيعة القانونية لدعوى التحكيم
في القانون الخاص، تقوم الدعوى على مبدأ سلطان الإرادة، حيث يملك الأطراف حرية تحديد القواعد المطبقة والإجراءات.
في القانون العام، رغم وجود مبدأ الرضا، إلا أن هناك قيودًا تشريعية لحماية المال العام وضمان خضوع الإجراءات لرقابة الدولة.
يبرز المؤلف الجدل الفقهي حول اعتبار التحكيم في القانون العام قضائيًا أم تعاقديًا، ويميل إلى الطابع المزدوج الذي يجمع بينهما.
ثالثاً: الإجراءات
رفع الدعوى:
تبدأ بإيداع طلب التحكيم لدى الجهة أو المؤسسة التحكيمية أو إخطار الطرف الآخر في التحكيم الحر.
يشترط ذكر أسماء الأطراف، عرض النزاع، المطالبات، والوثائق المؤيدة.
تشكيل هيئة التحكيم:
في القانون الخاص، حرية شبه مطلقة للأطراف.
في القانون العام، يخضع التشكيل أحيانًا لموافقة جهة إدارية عليا أو لمتطلبات خاصة.
سير الخصومة:
تتسم بالمرونة وقابلية التكييف وفق اتفاق الأطراف.
يسمح باستعمال وسائل الإثبات المختلفة، مع مراعاة مبادئ المساواة وحق الدفاع.
إصدار الحكم وتنفيذه:
الحكم التحكيمي له قوة إلزامية بمجرد صدوره، مع إمكانية الطعن بالبطلان لأسباب محددة.
في منازعات القانون العام، قد يتطلب التنفيذ إجراءات خاصة أو موافقة إدارية.
رابعاً: المقارنة بين القانونين العام والخاص
في القانون الخاص: التركيز على السرعة والمرونة، والحد الأدنى من تدخل القضاء، إلا في حالات البطلان أو التنفيذ.
في القانون العام: ضرورة التوفيق بين مصلحة الدولة في حماية الأموال العامة، واحترام الاتفاقات المبرمة مع المستثمرين أو المتعاقدين.
يلاحظ المؤلف أن الأنظمة المقارنة (كمصر، فرنسا، وبعض الدول العربية) بدأت تمنح التحكيم في منازعات الدولة مرونة أكبر، مع الإبقاء على ضمانات خاصة.
خامساً: التوصيات
تطوير التشريعات العربية لتوحيد القواعد الأساسية لدعوى التحكيم في القانونين العام والخاص.
تبني قواعد إجرائية مرنة تتماشى مع المعايير الدولية، مع الحفاظ على الضمانات الجوهرية.
تعزيز الثقافة القانونية لدى الأطراف المتعاقدة مع الدولة، لتقليل النزاعات حول قابلية النزاع للتحكيم.
دعم إنشاء مراكز تحكيم متخصصة في منازعات العقود الإدارية، على غرار المراكز التجارية الدولية.
الخلاصة: دعوى التحكيم، سواء في إطار القانون الخاص أو العام، تمثل أداة فعالة لحل المنازعات، لكن اختلاف الطبيعة القانونية للأطراف يفرض تباينًا في القواعد الإجرائية والموضوعية. الحفاظ على توازن دقيق بين مرونة التحكيم وضمانات العدالة وسيادة القانون هو مفتاح نجاحه في المجالين.